علاء حمدي
أكد الدكتور محمد أبو العينين، أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية التربية بالجامعة الأمريكية في الإمارات (سابقًا)، أن مناقشة سن الحضانة في قانون الأحوال الشخصية لا ينبغي أن تنحصر في تحديد عمر انتقال الطفل من أحد الوالدين إلى الآخر، وإنما يجب أن تنطلق من المبدأ الأهم وهو المصلحة الفضلى للطفل، والتي لا تتحقق إلا بتوفير بيئة أسرية مستقرة تضمن له النمو النفسي والاجتماعي والتربوي السليم.
جاء ذلك خلال مشاركته في أعمال الملتقى الثاني عشرد.امال ابراهيم رئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية، أحد مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة تحت رعاية جامعة سيناء ، والذي عقد تحت عنوان “قانون الأحوال الشخصية وحماية حقوق الطفل.. رؤية مستقبلية”، حيث قدم ورقة علمية بعنوان “سن الحضانة والتحصيل الدراسي للطفل.. مقاربة تربوية واجتماعية في ضوء مبدأ المصلحة الفضلى للطفل”.
وأوضح الدكتور محمد أبو العينين أن التحصيل الدراسي لا يمثل مجرد درجات يحصل عليها الطفل داخل المدرسة، بل يعد مؤشرًا حقيقيًا على مستوى استقراره النفسي والأسري والاجتماعي. فالطفل الذي يعيش في بيئة آمنة ومستقرة يكون أكثر قدرة على التركيز، واكتساب المعرفة، والتفاعل الإيجابي مع معلميه وزملائه، بينما تنعكس الاضطرابات الأسرية بصورة مباشرة على مستواه الدراسي وسلوكه ونموه النفسي.
وأشار إلى أن نظريات علم الاجتماع التربوي وعلم النفس التربوي تؤكد أن القدرات العقلية ليست العامل الوحيد في التفوق الدراسي، وإنما تتداخل معها عوامل عديدة، يأتي في مقدمتها طبيعة المناخ الأسري، واستقرار العلاقة بين الوالدين، وتوافر الرعاية والاهتمام، وابتعاد الطفل عن أجواء الصراع والخلاف المستمر. فكلما شعر الطفل بالأمان والانتماء داخل أسرته، ارتفعت قدرته على الانتظام في الدراسة، وأداء واجباته، وتحقيق مستويات أفضل من الإنجاز الأكاديمي.
وأكد أن قضية سن الحضانة تتجاوز كونها انتقالًا قانونيًا من رعاية أحد الوالدين إلى الآخر، لأن هذا الانتقال قد يفرض على الطفل تغيير منزله أو مدرسته أو أصدقائه أو بيئته الاجتماعية بالكامل، وهو ما قد يؤدي إلى فقدان شبكة الدعم الاجتماعي التي تمنحه الشعور بالأمان والاستقرار، خاصة إذا جاء هذا الانتقال في ظل نزاعات قضائية وخلافات حادة بين الوالدين.
وأضاف أن الطفل يكون في كثير من الأحيان الضحية الأولى لهذه النزاعات، حتى وإن لم يكن طرفًا فيها، حيث قد تظهر آثارها في صورة تراجع دراسي، وضعف في التركيز، وارتفاع معدلات الغياب، إلى جانب مشكلات سلوكية وانفعالية قد تستمر آثارها لفترات طويلة، وهو ما يستوجب أن تراعي التشريعات الحديثة هذه الجوانب النفسية والاجتماعية عند تنظيم مسائل الحضانة.
واستعرضت الورقة نتائج العديد من الدراسات العربية والأجنبية التي أثبتت أن الأطفال الذين ينشأون في أسر مستقرة يحققون مستويات أعلى من التحصيل الدراسي مقارنة بالأطفال الذين يتعرضون لعدم الاستقرار الأسري أو التنقل المتكرر بين بيئات معيشية مختلفة، كما تسهم البيئة الأسرية المستقرة في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية الدافعية للإنجاز، وبناء علاقات اجتماعية إيجابية داخل المدرسة، وهي عوامل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنجاح الطفل أكاديميًا ونفسيًا.
وشدد الدكتور محمد أبو العينين على أن تحقيق المصلحة الفضلى للطفل يقتضي أن تستند قرارات الحضانة إلى تقييم شامل لكل حالة على حدة، مع مراعاة الظروف النفسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية للأسرة، مؤكدًا أن قاعدة عمرية واحدة لا يمكن أن تحقق العدالة لجميع الأطفال، لأن احتياجاتهم وظروفهم تختلف من أسرة إلى أخرى.
واختتم ورقته بعدد من التوصيات، أبرزها منح قانون الأحوال الشخصية قدرًا من المرونة يتيح مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، وعدم الاكتفاء بمعيار السن عند الفصل في قضايا الحضانة، إلى جانب دعم قرارات الحضانة ببرامج للإرشاد الأسري والمتابعة النفسية والاجتماعية، والتوسع في تدريب الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين، وتعزيز الشراكة بين الأسرة والمدرسة لمتابعة الحالة التعليمية للأطفال، بما يسهم في توفير بيئة أسرية مستقرة وآمنة تمثل استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الأبناء، وتحقق أحد أهم أهداف التنمية المستدامة في بناء الإنسان.
وأكدت الورقة أن حماية الطفل لا تتحقق فقط من خلال النصوص القانونية، وإنما من خلال بناء منظومة متكاملة تضع استقراره النفسي والتعليمي في مقدمة أولوياتها، باعتباره الركيزة الأساسية لبناء أسرة مستقرة ومجتمع أكثر تماسكًا.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس