مسرح العلاقات: بين فخ “الشللية” وكيمياء النفاق الاجتماعي


بقلم المستشارة تهاني التري
تحولت العلاقات الإنسانية في كثير من الأوساط اليوم من مساحة للسكينة والصدق إلى مسرح معقد تسيطر عليه حسابات المصالح والمظاهر. ما كان يُبنى قديماً على الفطرة والنقاء، أصبح اليوم يتطلب مهارات بهلوانية للتنقل بين أفخاخ اجتماعية باتت سمة العصر، حيث تراجعت العفوية لصالح نصوص مكتوبة بعناية تُتلى في كل جلسة ومناسبة.
سيطرة “الشللية” على المشهد الاجتماعي حيث لم تعد العلاقات تُبنى على التقارب الفكري أو الروحي، بل أصبحت “الشللية” هي النظام الحاكم والمحرك الأساسي للقبول الاجتماعي. تتحول هذه التكتلات إلى دوائر مغلقة تعتمد على إقصاء الآخرين وتصنيف الناس بناءً على مدى قدرتهم على خدمة مصالح “الشلة”. الدخول إلى هذه الدوائر يتطلب غالباً التخلي عن جزء من المبادئ الشخصية، والبقاء خارجها يعني التعرض للتهميش العمدي، مما يخلق بيئة اجتماعية مشحونة بالتنافس السلبي والولاءات المزيفة.
خزانة الأقنعة ووباء النفاق في ظل هذه البيئة، أصبح النفاق الاجتماعي أداة نجاة للبعض وعملة متداولة للبعض الآخر. نبرز اليوم أمام شخصيات لا تملك وجهاً واحداً، بل خزانة كاملة من الأقنعة؛ قناع متواضع وودود في جلسة معينة، وقناع متعالٍ في مناسبة أخرى، وثالث مليء بالمديح المبالغ فيه أمام أصحاب النفوذ. هذا التبدل المستمر يفقد الكلمة معناها، ويجعل الثقة في الآخرين مجازفة غير محسوبة العواقب، حيث يبتسم لك أحدهم بينما يخطط في ذات اللحظة لكيفية استغلالك أو تحجيمك.
كيمياء النفوس المريضة التي برزت مع تفشي هذه السلوكيات، حيثظهرت تفاعلات كيميائية سامة داخل النفوس، وارتفعت مستويات إفرازات ضارة يمكن تسميتها مجازاً بـ “حمض الحسدوليك” و”الحقدوليك” و”الخبثوليك”. هذه الأحماض النفسية تنخر في عظام العلاقات، حيث تجد من يستكثر عليك نجاحاً بسيطاً، أو يضمر لك حقداً دون مبرر، ويمارس الخبث بابتسامة باردة. هذه الشخصيات لا تسعى فقط للارتقاء بنفسها، بل تستمد طاقتها من إفشال الآخرين أو التقليل من شأنهم، مما يجعل التواجد في محيطهم استنزافاً حقيقياً للطاقة.
استراتيجيات التعايش وحماية النفس أمام هذا الواقع المليء بالتناقضات، يبرز التساؤل الأهم: هل نتغير لنشبههم كي ننجو، أم نبقى كما نحن ونتحمل الألم؟
الإجابة تكمن في الحفاظ على جوهرك الأصيل مع تغيير طريقة إدارتك لهذه العلاقات، وذلك عبر القواعد التالية:
سياسة المسافة الآمنة: لست مضطراً لقطع العلاقات تماماً، ولكن يمكنك تحويلها إلى علاقات سطحية أو ما يُعرف بـ “علاقات الذراع المفرودة”. كن لبقاً، حاضراً عند الضرورة، لكن لا تسمح لهم بتجاوز حدودك الشخصية أو الاطلاع على تفاصيل حياتك العميقة.
المراقبة دون امتصاص: عندما تجلس مع شخصيات متعددة الأقنعة أو مشبعة بـ “الحسدوليك”، تعامل معهم كظاهرة تستحق المراقبة لا التأثر. لا تأخذ كلماتهم أو تصرفاتهم السامة على محمل شخصي، بل أدرك أنها انعكاس لأمراضهم الداخلية وليست تقييماً لقيمتك.
المرونة الإدراكية (لا تتغير، بل تكيّف): التغير لتصبح منافقاً أو خبيثاً مثلهم سيدمر سلامك الداخلي ويجعلك تخسر نفسك. بدلاً من ذلك، تكيّف من خلال خفض سقف توقعاتك من الناس. لا تتوقع الصدق المطلق أو الدعم النبيل من الجميع، وبذلك تحمي مشاعرك من صدمة الخذلان.
تأسيس “الفقاعة النقية”: وسط هذا الزحام من الأقنعة، ابحث عن شخص أو شخصين من الأنقياء الذين يشبهونك. استثمر طاقتك العاطفية في هذه الدائرة المصغرة جداً، واجعلها ملاذك الآمن الذي تعود إليه لتغسل روحك من عناء النفاق المجتمعي.
كلمة أخيرة اهمس بها لكم التعايش في مجتمع تنتشر فيه هذه الآفات لا يعني الاستسلام لها، بل يعني إتقان فن السير في حقل ألغام بوعي تام. حماية نفسيتك تبدأ من إدراكك أنك لست مطالباً بإصلاح هؤلاء، ولا مجبراً على الانخراط في مسرحياتهم. احتفظ بنقائك كدرع واقٍ، واكتفِ بابتسامة هادئة تضع كل شخص في حجمه الحقيقي دون أن تخدش سلامك الداخلي.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

المال والحب .. مفاجأة قاسيةحواء بالدنيا

يقدمها: محمد عبدالقدوس كلاهما مهم للإنسان.. الفلوس يستر بها الإنسان نفسه في هذه الحياة خاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *