الهدف وراء تحليق طائرة التجسس الصينية فوق تل أبيب

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى

الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف

أثارت رحلة عودة طائرة حرب إلكترونية وإستطلاع صينية متطورة من طراز (واى-٩ إل جى) (Y-9LG) تساؤلات ومخاوف إستخباراتية واسعة فى إسرائيل، وذلك بعد رصدها عبر بيانات تتبع الرحلات مفتوحة المصدر وهى تحلق في الأجواء السعودية (قرب مدينة ينبع ووصولاً إلى العاصمة الرياض) فى طريق عودتها من تدريبات عسكرية مشتركة فى مصر. وعلى الرغم من أن الطائرة لم تحلق مباشرة فوق تل أبيب، بل مرت عبر المجال الجوى السعودى بتنسيق دبلوماسى مسبق مع السلطات السعودية، إلا أن التقارير الإستخباراتية العبرية ركزت على قدراتها التجسسية بعيدة المدى. ويكمن الهدف الرئيسى وراء رصد تحليق طائرة الحرب الإلكترونية والتجسس الصينية بالنسبة للدوائر الإستخباراتية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية والأمريكية والغربية، فى تخوفهم من سعى بكين لبناء قاعدة بيانات إلكترونية شاملة “تغذى مكتبتها الإستخباراتية” بأنماط عمل وترددات رادارات ومنظومات الدفاع الجوى الأمريكية والغربية المنتشرة بكثافة فى منطقة البحر الأحمر والقواعد الإقليمية.

وعلى الرغم من التقارير العسكرية التى تشير إلى أن المسافات الجغرافية وإنحناء الأرض يقللان من فرص التجسس الصينى المباشر على العمق الإسرائيلى فى تل أبيب أثناء تحليق الطائرة الصينية فوق أجواء المنطقة (مثل الأجواء السعودية)، إلا أن تشغيل أجهزة الإستشعار الصينية للجمع السلبى للمعلومات كان يهدف لإقتناص الترددات الحساسة فى بيئة عملياتية ساخنة. لذا، جاء تحليل واشنطن وجهاز الموساد الإسرائيلى للأهداف الكامنة وراء هذه الرحلة الجوية الصينية للإستشعار وجمع المعلومات، والذى يرتكز على النقاط التالية:

– أولاً: عبور الطائرة الصينية قرب الأجواء الإسرائيلية كبنك للأهداف والرصد الإلكترونى بالنسبة للصين

يتخوف الموساد الإسرائيلى ووكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية بإحتمالية الهدف الأساسى للصين من عبور الطائرة فوق الأجواء الإسرائيلية لعدد من الأسباب، منها:

١) عبور الطائرة الصينية وإختراق منظومات الدفاع الغربية: حيث يتخوف الخبراء والتحليلات الإستخبارية الإسرائيلية والأمريكية والغربية، بأن الهدف الأساسى للصين هو رصد إشارات الرادارات ومنظومات الدفاع الجوى الأمريكية والغربية المنتشرة بكثافة فى منطقة البحر الأحمر والقواعد الإقليمية.

٢) تغذية المكتبة الإلكترونية: تتهم الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والأمنية والعسكرية الأمريكية والإسرائيلية بسعى بكين عبر هذه الرحلات العسكرية إلى جمع الترددات الحساسة وتغذية مكتبتها الإلكترونية بأنماط عمل المنظومات الغربية في بيئات عملياتية ساخنة.

٣) أهداف قريبة من مسار الطائرة الصينية: يتخوف الموساد الإسرائيلى ووكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية لتحليق الطائرة الصينية بالقرب من مدينة ينبع الإستراتيجية السعودية، والتى تضم منشآت نفطية وأمنية وبطاريات دفاع جوى من طراز باتريوت الأمريكى، الأمر الذى ينذر بجمع معلومات إستخباراتية وعسكرية ودفاعية للصين فى مواجهة المنظومات الدفاعية والعسكرية الأمريكية والإسرائيلية فى المنطقة.

– ثانياً: تحليل واشنطن والموساد لأبعاد التحرك

تتخوف الدوائر الإستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية والأمريكية من تجسس الطائرة الصينية على أهداف إسرائيلية وأمريكية لصالح إيران، وتنبع تخوفاتهم من الأهداف التالية:

١) عقبات التجسس المباشر: يرى الخبراء العسكريين فى إسرائيل والولايات المتحدة، بأن المسافات الجغرافية وإنحناء الأرض يقللان من فرص التجسس الإلكترونى المباشر على العمق الإسرائيلى، مثل (تل أبيب) أثناء التحليق فوق الأجواء السعودية، لكنهم يؤكدون أن الصين لا تفوت فرصة لإصطياد الترددات متى ما أتيح لها ذلك.

٢) تنامى النفوذ الصينى: ينظر الموساد والأجهزة الإستخباراتية والإستراتيجية والعسكرية والدفاعية الأمريكية إلى هذه الواقعة، كمؤشر مقلق على تعمق العلاقات الأمنية والعسكرية للصين فى الشرق الأوسط، وتوسيع نفوذها عبر التدريبات المشتركة (مثل الشراكة مع مصر) على حساب الهيمنة الأمريكية التاريخية.

٣) مخاوف من التسريب لإيران: الهاجس الأكبر الذى يؤرق الأوساط الأمنية فى تل أبيب هو مدى الإستفادة التى ستحققها بكين من ذاكرة هذه الطائرة، وإحتمالية مشاركة أو تسريب هذه البيانات والإستخبارات الإلكترونية الحساسة إلى حلفائها فى المنطقة، وتحديداً إيران.

وهنا، يرجع تخوف واشنطن والموساد الإسرائيلى من هذا التحليق العسكرى لطائرة الإستشعار والرصد الصينية، إلى عدة أسباب إستراتيجية وعسكرية، منها:

١) التخوف العسكرى الإسرائيلى والأمريكى من كسر الصين للتفوق التكنولوجى وإختراق جدار الصمت اللاسلكى

تتخوف الولايات المتحدة وإسرائيل من نجاح “العيون الرقمية” الصينية فى إختراق جدار الصمت اللاسلكى للمنظومات الدفاعية الغربية. حيث أن رصد الإشارات والترددات يتيح للصين فهم تكتيكات تشغيل الرادارات الأمريكية المخصصة للحماية من التهديدات الإقليمية، مثل (هجمات اليمن فى البحر الأحمر)، مما يساعد بكين على تطوير منظومات مضادة أو محاكاة هذه التكنولوجيا لكسر التفوق الغربى فى آسيا والشرق الأوسط.

٢) خطر تسريب الصين لتلك الأسرار العسكرية التى جمعتها ورصدتها طائرة التحليق والإستطلاع الصينية إلى إيران

يثير هذا الصيد الإستخبارى قلقاً بالغاً فى تل أبيب وواشنطن من إحتمالية مشاركة بكين لهذه البيانات والترددات الحساسة مع حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم إيران. فحصول طهران على هذه الشفرات والأنماط التشغيلية قد يمكنها (أو يمكن الفصائل الموالية لها) من تحييد أو إختراق منظومات الدفاع الجوى الأمريكية والإسرائيلية فى أى مواجهة مستقبلية. ويمكن تلخيص أبعاد هذا التخوف فى النقاط التالية:

– كشف القدرات التكنولوجية والدفاعية: تحليق طائرات التجسس الصينية ورصدها للقواعد الأمريكية أو منظومات الدفاع الجوى الإسرائيلية، مثل (القبة الحديدية أو مقلاع داوود) يتيح لبكين جمع بيانات إلكترونية وحرارية وبصرية دقيقة للغاية.

– معادلة الردع الإيرانية: وصول هذه البيانات الحساسة من بكين إلى طهران يعنى قدرتها على فهم الثغرات فى أنظمة الدفاع الحليفة لإسرائيل، مما يسمح لها بتطوير مسارات صواريخها وطائراتها المسيرة لتفادى الرصد، وهو ما يضعف فاعلية الدفاعات الجوية المشتركة الأمريكية والإسرائيلية فى مواجهتها.

– صراع النفوذ العالمى: تنظر واشنطن إلى هذا التعاون بإعتباره محاولة صينية لتقويض الهيمنة الأمريكية، ودعم حلفاء إقليميين (ضمن محور المقاومة) لعرقلة أى خطط عسكرية مستقبلية قد تستهدف المنشآت الإيرانية.

٣) إختبار الصين للقدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية فى بيئة عملياتية حقيقية

فقد منحت تلك الرحلة الإستطلاعية للطائرة الصينية فرصة ذهبية لإختبار وتقييم كفاءة أنظمتها الإلكترونية ومجسات التجسس السلبى فى “بيئة عملياتية حقيقية” مليئة بالتوترات العسكرية والمنظومات المستنفرة. وهذا يثبت لواشنطن أن الصين باتت تمتلك القدرة على التجسس التكتيكى العالى الجودة مع الإحتفاظ بهامش من “القدرة على الإنكار الدبلوماسى”.

٤) التمدد العسكرى الصينى وتراجع الهيمنة الأمريكية

جاءت هذه التحركات الصينية، بالتزامن مع تنامٍ متسارع للشراكة العسكرية والأمنية بين بكين ودول محورية فى المنطقة مثل مصر (عبر المناورات والتدريبات الجوية والبحرية المشتركة كمناورات “نسر الحضارة بين القوات الجوية المصرية والصينية”) والسعودية. وهنا، ترى واشنطن فى ذلك مؤشراً خطيراً على توسع النفوذ العسكرى الصينى فى الشرق الأوسط على حساب الهيمنة التاريخية الأمريكية، مستغلة رغبة دول المنطقة فى تنويع مصادر تسليحها وتقليل الإعتماد الحصرى على المنظومات الأمريكية.

وبناءً عليه، نفهم من العرض والتحليل السابق مدى التخوف الأمريكى والإسرائيلى من تحليق طائرة التجسس والإستطلاع الصينية لرصد الأهداف العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وخطر تسريبها لإيران، حيث يمثل التنسيق الإستخبارى والعسكرى المتزايد بين الصين وإيران، أحد أكبر المخاوف الإستراتيجية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل فى منطقة الشرق الأوسط.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

افتتاح أكبر صرح تعليمي في قلب العاصمة الجديدة لمجموعة مدارس future knights | فرسان المستقبل

كتب:أحمد حنفي شهدت العاصمة الجديدة صرح تعليمي صرح تعليمي ضخم لمجموعة مدارس future knights (فرسان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *