من موقع المسؤولية الإعلامية العربية، أرى أن ما يقوم به المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر يستحق التوقف أمامه، ليس باعتباره تجربة مصرية فحسب، وإنما باعتباره نموذجا يفتح نقاشا عربيا أوسع حول السؤال الذي أصبح ملحا وهو كيف نحافظ على حرية الإعلام، وفي الوقت نفسه نحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية التي صنعتها سرعة النشر وتعدد المنصات وتراجع الحدود الفاصلة بين الخبر والرأي والتشهير؟
المشهد الإعلامي لم يعد كما كان قبل سنوات. لم تعد الصحيفة أو الإذاعة أو شاشة التلفزيون هي المصدر الوحيد للمعلومة. اليوم يستطيع أي شخص أن يصبح ناشرا في لحظة، وأن يصل محتواه إلى مئات الآلاف أو الملايين من دون محرر أو مؤسسة أو مراجعة مهنية تسبقه.
وهذا التطور منح الناس مساحة واسعة للتعبير، وفتح أبوابا هائلة أمام الصحافة وصناعة المحتوى، لكنه في المقابل خلق مسؤوليات جديدة لا يمكن تجاهلها.
ومن هنا تأتي أهمية وجود جهة تنظيمية تضع القواعد، وتتابع الالتزام بها، وتتدخل عندما يتحول المحتوى من ممارسة للحق في التعبير إلى تجاوز لحقوق الآخرين أو اعتداء على خصوصيتهم أو خرق للقواعد المهنية.
وأحسب أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر يتحرك في هذا الاتجاه من خلال متابعة المحتوى الإعلامي، والتعامل مع المخالفات، واتخاذ قرارات بحق بعض البرامج أو الإعلاميين عندما يرى أن ما يقدمونه يتجاوز الأكواد والمعايير المنظمة للعمل الإعلامي.
وهنا يجب أن نفرق بين التنظيم والمنع.
التنظيم لا يعني إسكات الإعلام، كما أن وضع قواعد مهنية لا يعني مصادرة الرأي. بالعكس، الإعلام القوي هو الذي يعرف حدوده المهنية، ويدرك أن حرية الكلمة تقترن دائما بالمسؤولية.
عندما نتحدث عن خصوصية المواطن، فنحن لا نتحدث عن ترف قانوني أو مهني، نحن نتحدث عن حق أصيل للإنسان في ألا تتحول حياته الخاصة إلى مادة للفرجة لمجرد أن الوصول إليها أصبح ممكنا.
وعندما يتعلق الأمر بالأطفال، تصبح المسؤولية أكبر بكثير.
الطفل ليس شخصية عامة، ولا يملك في كثير من الحالات القدرة على تقدير آثار ظهور صورته أو تفاصيل حياته في وسائل الإعلام ومنصات التواصل. ولذلك فإن حماية الطفل من التشهير والاستغلال وكشف الخصوصية يجب أن تكون في مقدمة أولويات أي منظومة إعلامية محترمة.
والأمر نفسه ينطبق على قيم الأسرة والمجتمع. ليس المطلوب أن يتحول الإعلام إلى واعظ، ولا أن تكون كل مادة إعلامية خاضعة لرؤية واحدة، لكن هناك فارقا بين الاختلاف في الرأي وبين تقديم محتوى يتعمد الإساءة أو التحريض أو انتهاك الخصوصية أو تجاوز القواعد المهنية التي تحمي المجتمع وأفراده.
التحدي اليوم أن التنظيم لم يعد قادرا على الاكتفاء بالتلفزيون والإذاعة والصحافة الورقية. المشهد توسع ليشمل المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية وحسابات التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى.
ولذلك فإن الحديث عن إعلام منضبط يجب أن يشمل المشهد كله.
لا يمكن أن نطلب من صحيفة الالتزام بمعايير مهنية صارمة، ثم نترك منصة رقمية ضخمة تنشر الشائعات وانتهاكات الخصوصية دون أي مسؤولية. ولا يمكن أن نطالب المذيع بالتأكد من معلوماته، بينما يصبح أي شخص قادرا على نشر اتهام بحق إنسان ثم يختبئ خلف عبارة رأيي الشخصي.
الفوضى الإعلامية لا يدفع ثمنها شخص واحد.
أحيانا يدفع الثمن مواطن عادي يجد حياته الخاصة منشورة أمام الناس، أو طفل تتحول صورته إلى مادة للتداول، أو أسرة تجد نفسها فجأة في قلب قضية لم تختر أن تكون طرفا فيها.
وأحيانا يدفع الثمن الإعلامي نفسه.
فالمذيع أو الصحفي أو صانع المحتوى الذي يعتقد أن ارتفاع المشاهدات يبرر كل شيء قد يكتشف متأخرا أن الشهرة لا تمنح حصانة من المسؤولية.
بل إن الشخصيات العامة والمشاهير هم أيضا بحاجة إلى منظومة تنظيم واضحة. صحيح أن الشخصية العامة تتحمل قدرا أكبر من النقد والمراقبة بحكم موقعها، لكن ذلك لا يعني أن حياتها الخاصة تصبح مباحة بلا حدود، ولا أن كل صورة أو معلومة أو اتهام يمكن نشره دون تدقيق.
ولهذا فإنني أتمنى أن تمتد هذه التجربة التنظيمية، مع تطويرها وضمان وضوح معاييرها وإجراءاتها، إلى مختلف الدول العربية، وأن يكون لدينا قدر أكبر من التنسيق والتقارب في المعايير المهنية التي تحكم المشهد الإعلامي العربي.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الفوضى.
ولا نحتاج أيضا إلى إعلام يخاف من ممارسة دوره.
ما نحتاجه هو إعلام حر ومسؤول، قوي في كشف الحقيقة، دقيق في نقل المعلومة، محترم لخصوصية الإنسان، شديد الحساسية عندما يتعلق الأمر بالأطفال، ومدرك لحجم التأثير الذي أصبحت تملكه الكلمة والصورة في عصر المنصات الرقمية.
إن تجربة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر تفتح أمامنا بابا مهما للنقاش العربي حول مستقبل المهنة.
والهدف في النهاية ليس أن نمنع الإعلام من الكلام، وإنما أن نضمن أن الكلام الذي يصل إلى الناس يستحق أن يصل إليهم، وأن تكون الحرية مصحوبة بالمسؤولية، وأن يعرف الجميع أن شهرة الشاشة أو عدد المتابعين لا يمنح صاحبه حق الاعتداء على الآخرين.
الإعلام المنضبط ليس إعلاما مقيدا.
الإعلام المنضبط هو إعلام يعرف قيمة الكلمة، ويحترم الإنسان، ويدرك أن وراء كل خبر شخصا، ووراء كل صورة أسرة، ووراء كل طفل مستقبل كامل.
وهذه مسؤولية عربية مشتركة، لا تخص دولة بعينها.
ولهذا أقول شكرا المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.. شكرا لأنكم لم تتركوا المواطن وحيداً أمام فوضى الشاشات والسوشيال ميديا.
بقلم د / يوسف العميري
شاهد أيضاً
أزمة كلاب الشوارع أزمة لا تنتهي
بقلم لواء.د. عماد فوزى عشيبة وقفتنا هذا الأسبوع سوف نتكلم فيها عن أزمة أستفحلت ولم …
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس