بقلم : د. محمد جمال الدين
إن الكينونة التاريخية للأمم لا تُقاس بالأزمان العابرة، بل بإرتقاء الوعي في مدارج البناء، وجمالية الثبات في وجه عواصف الوجود، وتتبوأ الدولة المصرية، منذ فجر التاريخ الإنساني، مكانة الريادة والفرادة، بوصفها المعلم الأول للبشرية في بناء العمران وتأسيس المدنية.ولئن كانت الدولة في الفلسفة السياسية هي التجسيد الأسمى للعقل الجمعي، والدرع الحصين للحرية والنظام، فإن الدولة المصرية تمثل أنطولوجيا خاصة، إذ تشابكت ترابيتها مع أرواح أبنائها في سيمفونية حضارية سرمدية، من هنا فإن محاولات هدم بنيانها، أو الدعوة إلى تقويض أركانها تحت براثن الثورات الهادمة، لا تعبر عن رؤية إصلاحية، بل هي ضرب من الإنتحار الجماعي، وإنسلاخ أعمى عن حقائق التاريخ وجيوسياسية الجغرافيا.إن منطق الثورة حين ينحرف عن مسار الوعي الرشيد يتحول إلى فوضى هدامة، تأتي على الأخضر واليابس، وتهدم ما استطاع الأجداد بناءه في قرون من العرق والدماء، لترث الأجيال تركة ثقيلة من الخراب والتيه.إن الدعوات العبثية إلى الثورة، وإسقاط مؤسسات الدولة، ليست سوى ركلة في ميزان الإستقرار الذي هو أساس كل تنمية، والتاريخ القريب والبعيد ينبئنا بأن الهزات الثورية غير المدروسة تفضي حتماً إلى كارثة شمولية تطال مفاصل الحياة كافة، فعلى الصعيد السياسي، ينهار العقد الاجتماعي، وتتوارى شرعية المؤسسات لحساب الفوضى والفراغ السياسي، مما يجعل الوطن عرضه للأطماع الإقليمية والدولية، ويحول الدولة من صانعة للقرار إلى متلق للإملاءات الخارجية.على الصعيد الاقتصادي، تتوقف عجلة الإنتاج، وتتطاير رؤوس الأموال هرباً من جحيم عدم اليقين، وتتآكل العملة الوطنية، وتتوقف شرايين الإستثمار، مما يدفع الإقتصاد نحو الشلل التام وإرتفاع معدلات الفقر والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وعلى الصعيدين الاجتماعي والصحي، يتفكك النسيج المجتمعي وتعم شريعة الغاب، بينما ينهار القطاع الصحي لعجز المنظومة عن توفير الأدوية والمستلزمات، وتتكدس المستشفيات بالضحايا وتتوقف العمليات الحيوية، أما على الصعيدين التعليمي والفكري، فتتحول المدارس والجامعات إلى ساحات للإستقطاب والتخريب، وينزلق الفكر العام نحو العدمية والتعصب، وتتلاشى مساحات النقد العقلاني لصالح شعارات الغوغائية والصوت العالي.في مقابل هذه الدعوات الهدامة، تنهض مؤسسات الدولة المصرية قاطبة، بقيادة واعية وجيش وشرطة ومؤسسات وطنية، بملحمة بناء غير مسبوقة، إذ إن الدولة لا تدخر جهداً في رتق ثقوب الماضي، وعلاج أمراض متراكمة تركتها عقود طويلة من الإهمال والقصور الهيكلي، إذ انخرطت الدولة في معركة الوجود والتنمية معاً، شملت إطلاق مشاريع البنية التحتية الكبرى (طرق، شبكات نقل، طاقة، ومدن ذكية)، كشرايين أساسية لجذب الإستثمار وتحقيق العدالة المكانية، وتطوير قطاعات الصحة والتعليم من خلال مبادرات قومية جبارة مثل “حياة كريمة”، وتطوير التأمين الصحي الشامل، لتخفيف المعاناة عن كاهل المواطن البسيط، مع إستعادة مكانة مصر الإقليمية والدولية كواحة أمن واستقرار في إقليم يعج بالصراعات والإنهيارات.غير أن هذه الجهود الجبارة تصطدم بصخرة صماء تتمثل في الزيادة السكانية الرهيبة، التي تشبه الطوفان الجارف الذي يلتهم ثمار التنمية باستمرار، إذ إن تجاهل النداءات المتكررة للدولة بضرورة ضبط النسل، والوعي بخطورة هذا الإنفجار الديموغرافي يشكل جريمة بحق المستقبل، فالنمو السكاني غير المنضبط يفرغ أي خطط تنموية من مضمونها، ويضغط بشكل هائل على شبكات البنية التحتية، ويخفض نصيب الفرد من الخدمات التعليمية والصحية، ويحول المليارات المخصصة للإستثمار الحقيقي إلى إستهلاك آني يستهلك مقدرات الأجيال القادمة.يتشابك هذا التحدي الديموغرافي مع كارثة أخرى لا تقل خطورة، ألا وهي غياب الوعي الجمعي لدى قطاع عريض من الشعب، والمقاومة العنيدة لأي محاولة للتغيير، أو تعديل الأنماط السلوكية والقيمية، إذ تفشت في المجتمع نظرة إتكالية تعاني من عجز عن رؤية الحقيقة، حيث يرتدي الأفراد عباءة الإستحقاق المطلق، مطالبين الدولة بكافة الحقوق والمكتسبات، دون أدنى استشعار للواجبات أو المشاركة الفاعلة في البناء، وهذه النظرة الأبوية الإتكالية تجعل المواطن ينتظر الحلول السحرية من الدولة، دون أن يغير ما بنفسه من سلوكيات إستهلاكية، أو إسراف في الموارد، أو تقاعس في العمل والإنتاج، بل وتخصيم الدولة والمطالبة الدائمة بحقوق وهمية، في ظل ظروف عالمية ومحلية طاحنة، وهو ما يعكس قصوراً معرفياً وأخلاقياً خطيراً يهدد ترابط المجتمع وهويته.إن الأوطان لا تُبنى بالأماني والإعتراضات العبثية، ولا تُصان بالدعوات الهدامة التي لا تزيد الطين إلا بلة، فالمعركة الحقيقية اليوم هي معركة وعي وإرادة، والدولة المصرية بما قدمته وما تقدمه تثبت يوماً بعد يوم أنها قاطرة العبور نحو المستقبل، غير أن هذه القاطرة بحاجة إلى طاقم واع من أبنائها، طاقم يؤمن بأن الحقوق والواجبات عملة واحدة، وأن التنمية تنطلق من تغيير أنفسنا قبل مطالبة الآخرين بالتغيير، كما إن الوعي الجمعي المستنير هو السلاح الأوحد لرد كيد العابثين، والحفاظ على تراب هذا الوطن عزيزاً منيعاً، لتبقى مصر أبد الدهر قلعة للعصامية والحضارة، وشامخة في وجه كل رياح الخراب.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس