تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
شهدت الدراسات الصينية
Sinology
تحولاً جذرياً فى السنوات الأخيرة، ولم تعد تقتصر على دراسة التاريخ واللغة الكلاسيكية بل تحولت إلى مجال إستراتيجى يركز على فهم الصين كقوة عالمية حديثة. ويتأثر مستقبل هذا التخصص بشكل مباشر بالمتغيرات الجيوسياسية والتكنولوجية والإقتصادية. ولأجل ذلك، إستضافت مصر مؤتمراً كبيراً لمناقشة مستقبل الدراسات الصينية فى مصر والمنطقة. حيث أُقيمت فى القاهرة خلال الفترة من ٢٨ إلى ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ فعاليات الحوار العالمي حول الدراسات الصينية وجلسة الدول العربية فى فندق ماريوت بالقاهرة، بمشاركة نحو ١٤٠ شخصية من المسؤولين والخبراء والأكاديميين. ونُظمت الفعالية بإشراف مباشر من (المكتب الإعلامى لمجلس الدولة الصينى)، وبتنظيم مشترك بين إدارة الإعلام بحكومة بلدية شنغهاى وأكاديمية شنغهاى للعلوم الإجتماعية، وبمشاركة (جامعة القاهرة، المجلس المصرى للشؤون الخارجية، ومركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية). وشهدت فترة إنعقاد الفعالية كذلك، إصدار قائمة بالكتب البحثية الموصى بها للباحثين الشباب الصينيين والعرب لدعم جسور المعرفة المشتركة. وهنا كانت أبرز محاور الحوار وأهدافه والموضوعات الرئيسية، هى:
١) توسيع آفاق الدراسات الصينية المستقبلية: الإنتقال بها من مجرد تدريس اللغة والترجمة إلى دراسة معمقة تشمل الفكر، والتاريخ، والسياسة، والإقتصاد، والعلاقات الدولية. وطرح مقترحات لإطلاق منصات بحثية مشتركة وبرامج للإقامات الفنية والبحثية لتعميق التواصل الأكاديمى والشبابى بين الجانبين المصرى والعربى والصينى.
٢) مبادرة الحزام والطريق: تعزيز مواءمة إستراتيجيات التنمية وبناء مجتمع مصير مشترك صينى-عربى عالى الجودة، ومناقشة فرص التعاون فى إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية ومواءمة إستراتيجيات التنمية بين الجانبين.
٣) الحوار والتعاون الحضارى: تنفيذ مبادرة الحضارة العالمية للرئيس الصينى “شى جين بينغ” وحماية التراث الثقافى المشترك. فضلاً عن بحث التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية وتعزيز حماية التراث الثقافى ونقل الإرث الحضارى بين الصين والمنطقة العربية.
٤) مناقشة دور مجلس علماء الصين فى مصر فى تعميق الدراسات الصينية: حيث عقد المجلس لقائه الأول فى جامعة عين شمس تحت عنوان “صعود الدراسات الصينية فى مصر وشمال أفريقيا والمناطق الناطقة بالعربية والجنوب العالمى”، وشهد الإتفاق على تنظيم مؤتمر دولى موسع للعام المقبل ٢٠٢٧.
٥) مناقشة توسيع آفاق التعاون بين جامعة القاهرة وجامعة شنغهاى للدراسات الدولية: حيث وقعت الجامعتين مذكرة تفاهم لتوسيع الشراكة الأكاديمية وإنشاء مركز للدراسات الصينية كمنصة جديدة لتعليم اللغة، وتبادل الطلاب، وإطلاق برامج ودرجات علمية مشتركة.
وتتمثل خطوة توسيع آفاق الدراسات الصينية فى مصر والمنطقة العربية والجنوب العالمى فى (مجلس علماء الصين فى مصر) والحوارات الأكاديمية المشتركة التى تسعى للإنتقال بهذه الدراسات من نطاق اللغة والترجمة إلى آفاق إستراتيجية وعلمية أشمل. وفى هذا الإطار، يمكن توسيع أبعاد الدراسات الصينية فى مصر والشرق الأوسط وبلدان الجنوب، من خلال:
١) التحول المعرفى: الإنتقال من تدريس اللغة الصينية والترجمة إلى دراسة الحضارة، الفكر، التاريخ، السياسة، الإقتصاد، والإعلام وعلاقات دول الجنوب بالصين.
٢) الإطار المؤسسى المستدام: بناء شبكة علمية ومنصة تجمع العلماء والباحثين والمترجمين بين مصر والصين والدول العربية ودول الجنوب العالمى لتبادل الخبرات وتنفيذ مشروعات بحثية مشتركة، متزامناً مع ربط الجامعات ومراكز البحث والباحثين والمترجمين فى المنطقة العربية ودول الجنوب بالصين لتبادل الخبرات المعرفية.
٣) دعم مسارات التحديث: تعميق البحوث حول خبرات الحوكمة ومواءمة إستراتيجيات التنمية، لا سيما مع البناء المشترك عالى الجودة لمبادرة الحزام والطريق ومبادرة التنمية والحضارة العالمية.
٤) التعاون الأكاديمى الموسع: تعزيز الشراكات بين الجامعات المصرية والصينية (حيث تدرس اللغة الصينية فى ٢٨ جامعة مصرية والعربية فى ٤١ جامعة صينية)، مع طرح برامج جديدة للدراسات الإستراتيجية والسياسية.
٥) تعزيز الحوكمة العالمية: التركيز على القضايا الحديثة مثل الذكاء الإصطناعى، الأمن الغذائى، وتغير المناخ لتعزيز تمثيل الدول النامية والجنوب العالمى فى الشؤون الدولية.
ويكتسب الحوار العالمى حول الدراسات الصينية من خلال جلسة الدول العربية الذى أُقيم فى القاهرة يوم ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٦، أهمية بالغة للجنوب العالمى من خلال بناء جسور معرفية وحضارية وإقتصادية مشتركة، من حيث:
١) تقديم نموذج للتعاون النامى بين بلدان الجنوب وتعزيز صوت الدول النامية: عبر تقديم نموذج ناجح للتضامن والتعاون بين الدول النامية والجنوب العالمى. وهنا، يسهم الحوار في تعزيز القدرات البحثية بقضايا الحوكمة العالمية وزيادة تمثيل الدول النامية في الشؤون الدولية.
٢) إطار علمى مستدام: ربط الجامعات ومراكز البحث والمترجمين لدعم الحوار المعرفى وتبادل الخبرات بين دول الجنوب.
٣) تطوير منصات بحثية مشتركة: إطلاق برامج إقامة بحثية وفنية تتيح للشباب والمفكرين التفاعل المباشر لتعزيز التقارب الفكرى. وهو الأمر الذى يتيح للباحثين الشباب تبادل الخبرات والمعارف وتأسيس صوت عربى وأفريقى مستقل في الدراسات الصينية والآسيوية والدولية.
٤) مواءمة إستراتيجيات التنمية: يربط بين نقاط توافق المصالح ودعم البناء عالى الجودة لمبادرة الحزام والطريق.
وكخبيرة مصرية معروفة دولياً فى الشأن السياسى الصينى وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى، يمكننى تقديم وتحليل لأبرز الملامح والإتجاهات التى تشكل مستقبل الدراسات الصينية فى مصر والشرق الأوسط والجنوب العالمى، على النحو الآتى:
– أولاً: التحول من التخصص التقليدى إلى التخصصات البينية
١) ربط العلوم: لم يعد كافياً دراسة اللغة والتاريخ فقط، حيث يتجه المستقبل نحو دمج الدراسات الصينية مع علوم أخرى، مثل (العلاقات الدولية، الذكاء الإصطناعى، الأمن السيبراني، والإقتصاد الأخضر).
٢) التركيز على الصين الحديثة: يتزايد الطلب على الخبراء المتخصصين فى السياسات المعاصرة للحزب الشيوعى الصينى، والإقتصاد الرقمى، ومبادرة الحزام والطريق.
– ثانياً: تأثير التكنولوجيا والذكاء الإصطناعى فى مجالات الدراسات الصينية المستقبلية
١) تحليل البيانات الضخمة: يعتمد الباحثون بشكل متزايد على أدوات الذكاء الإصطناعى لتحليل البيانات الضخمة الصادرة من وسائل التواصل الإجتماعى الصينية، مثل برامج (وى تشات وويبو)
(WeChat & Weibo)
والوثائق الحكومية الضخمة.
٢) الترجمة الآلية الفورية: مع تطور الترجمة الآلية، سينتقل التركيز فى تعلم اللغة الصينية من مجرد “الترجمة” إلى الفهم الثقافى العميق، السياق السياسى، والتحليل الإستراتيجى الذى لا يستطيع الذكاء الإصطناعى القيام به بمفرده.
– ثالثاً: تزايد الأهمية الجيوسياسية (الطلب فى سوق العمل)
١) المؤسسات الحكومية والأمنية: هناك حاجة ماسة ومتزايدة فى الدول الغربية والشرق أوسطية لخبراء يحللون التحركات العسكرية والدبلوماسية للصين.
٢) القطاع الخاص: تحتاج الشركات العالمية إلى مستشارين يفهمون القوانين التجارية الصينية المحلية، وسلوك المستهلك الصينى، وسلاسل الإمداد.
– رابعاً: تحديات مستقبلية تواجه الباحثين
١) صعوبة الوصول إلى البيانات: تفرض الصين قيوداً متزايدة على وصول الباحثين الأجانب إلى الأرشيفات الوطنية، والمواقع الأكاديمية، مثل
(CNKI)
مما يجعل البحث الميدانى أكثر صعوبة.
٢) التسييس: يواجه التخصص ضغوطاً، حيث يقع الباحثون أحياناً بين ضغوط بكين لتقديم صورة إيجابية، وضغوط الحكومات الغربية التى تبحث عن تحليلات تركز على التهديدات الأمنية.
– خامساً: صعود الدراسات الصينية فى العالم العربى
١) الشراكة الإستراتيجية: مع تنامى العلاقات الإقتصادية والسياسية بين الصين والدول العربية، يشهد العالم العربى توسعاً كبيراً فى إفتتاح أقسام اللغة الصينية ومراكز البحوث المشتركة، وهو إتجاه مرشح للنمو السريع مستقبلاً.
٢) التحول الأكاديمى: الإنتقال من تدريس اللغة الصينية فقط إلى دراسة الحضارة الصينية، الفكر، التاريخ، والإعلام.
٣) توسع إقليمى: تلعب دول عربية وخليجية مثل (الإمارات) بالإضافة إلى مصر دوراً رئيسياً فى إستضافة القوة الناعمة الصينية عبر معاهد كونفوشيوس والبرامج التعليمية المشتركة.
٤) أطر تعاون مستدامة: السعى لإنشاء شبكة علمية تربط بين الباحثين والمترجمين فى العالم العربى والصين لدعم مشروعات البحث المشتركة.
وبناءً عليه، تشهد الدراسات الصينية فى مصر والعالم العربى والجنوب العالمى صعوداً ملحوظاً، مدعومة بفعاليات أكاديمية متلاحقة وحوارات عالمية لتعزيز التقارب الثقافى والحضارى، وتطوراً من مجرد تعلم اللغة والترجمة إلى آفاق أوسع تشمل الإقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية. وهو ما يؤدى إلى تعميق التبادلات الثقافية بين الصين ومصر والدول العربية وبلدان الجنوب لتبادل خبرات الحوكمة وبناء مجتمع مصير مشترك صيني-عربى.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس