البصمة الكربونية.. من القياس إلى صناعة الأثر

د . محمد سعد
أكد خبراء ومتخصصون في الاستدامة والعمل المناخي أهمية الانتقال من مجرد قياس البصمة الكربونية والإفصاح عن الانبعاثات إلى توظيف نتائج القياس في صناعة القرار المؤسسي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز القدرة التنافسية للمنشآت، مشددين على أن التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون يتطلب تكامل الجهود بين المؤسسات والأفراد والقطاعات المختلفة.
جاء ذلك خلال الندوة العلمية الافتراضية بعنوان «البصمة الكربونية للمنشآت.. من القياس إلى خفض الانبعاثات وصناعة القرار»، التي عُقدت يوم السبت 03 أكتوبر 2026 عبر منصة زوم، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين، وبالتعاون بين شبكة بيئة أبوظبي وشبكة العمل المناخي بالعالم العربي.
قيادات شبكة العمل المناخي تؤكد أهمية تحويل المعرفة إلى أثر
وشهدت الندوة حضور الدكتور سامي المبروك، رئيس الهيئة الإدارية لشبكة العمل المناخي بالعالم العربي، والمهندس رعد كردي أبو جغيدة، نائب رئيس شبكة العمل المناخي بالعالم العربي، في إطار تعزيز التعاون المعرفي والمهني بين الخبراء والمؤسسات العربية المعنية بالاستدامة والعمل المناخي.
وفي كلمة له بهذه المناسبة، أكد الدكتور سامي المبروك أن أهمية قياس البصمة الكربونية لا تكمن في معرفة حجم الانبعاثات فحسب، بل في قدرتنا على تحويل هذه المعرفة إلى سياسات وقرارات مؤسسية تعزز المسؤولية المناخية، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من الوعي بالتحديات إلى بناء حلول عربية عملية قابلة للقياس والتوسع.
من جانبه، أشار المهندس رعد كردي أبو جغيدة إلى أن خفض الانبعاثات يبدأ بفهم مصادرها، لكنه لا يتحقق دون ربط المعرفة العلمية بالممارسات التشغيلية والاقتصادية، مؤكداً أهمية بناء قدرات المؤسسات العربية وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة، بما يجعل الاستدامة جزءاً أصيلاً من منظومة الإدارة وصناعة القرار، وليس مجرد التزام بيئي منفصل عن الأداء المؤسسي.
وتضمنت الندوة ثلاث أوراق علمية مترابطة، تناولت الأبعاد الفنية والإدارية والمجتمعية للبصمة الكربونية، انطلاقاً من بناء جرد موثوق للانبعاثات، مروراً بتطوير خطط عملية لخفضها، وصولاً إلى تعزيز الوعي بالكربون غير المرئي في أنماط الحياة والاستهلاك اليومية.
شريف عبد الغفار: دقة البيانات أساس الجرد الكربوني الموثوق
من جانبه، تناول الدكتور المهندس شريف حلمي علي (شريف عبد الغفار)، المتخصص في قياس البصمة الكربونية وتطوير الحلول الصناعية المستدامة، في ورقته بعنوان «قياس البصمة الكربونية للمنشآت.. من جمع البيانات إلى إعداد جرد موثوق وقابل للتحقق»، المنهجية العلمية والعملية لإعداد جرد مؤسسي لانبعاثات غازات الدفيئة.
واستعرض أهمية تطبيق الأطر والمعايير الدولية، وفي مقدمتها بروتوكول غازات الدفيئة (GHG Protocol) والمواصفة الدولية (ISO 14064-1)، مع التركيز على تحديد الحدود التنظيمية والتشغيلية للمنشأة، وتصنيف الانبعاثات ضمن النطاقات الثلاثة، واختيار معاملات الانبعاث المناسبة، وضمان جودة البيانات وإمكانية تتبعها والتحقق منها.
كما قدم نماذج تطبيقية لقياس البصمة الكربونية في المنشآت الصناعية والزراعة التجديدية ومزارع الكربون، موضحاً أهمية الربط بين البيانات التشغيلية ومؤشرات الأداء البيئي، بما يساعد المؤسسات على تحديد المصادر الأعلى مساهمة في الانبعاثات، وترتيب أولويات التدخل.
وأشار العرض إلى أن إعداد الجرد الكربوني لا يقتصر على حساب إجمالي الانبعاثات، بل يتطلب بناء نظام موثق للبيانات والأدلة، يتيح المراجعة والتحقق، ويحول المعلومات التشغيلية إلى مؤشرات تدعم قرارات الاستثمار والكفاءة والاستدامة.
تماضر صالح: خطة الخفض تبدأ من الأرقام وتنتهي بقرار قابل للتنفيذ
وفي الورقة الثالثة بعنوان «من الرقم إلى الخطة: كيف تبني المنشأة خطة خفض انبعاثات قابلة للتنفيذ؟»، استعرضت الدكتورة تماضر صالح، مديرة الاستراتيجية والتميز في معهد المنال للتدريب بالشارقة، منهجية تحويل نتائج الجرد الكربوني إلى خارطة طريق عملية لخفض الانبعاثات.
وأكدت أهمية تحديد سنة أساس موثوقة، وتحليل مصادر الانبعاثات وفق حجم مساهمتها وقابليتها للخفض، ثم ترتيب التدخلات استناداً إلى الجدوى الفنية والاقتصادية، والتكلفة الاستثمارية، ومدة الاسترداد، وسهولة التنفيذ.
وقدمت نموذجاً تدريبياً افتراضياً لمنشأة صناعية تبلغ انبعاثاتها السنوية 12 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، موضحة كيف يمكن تحليل توزيع الانبعاثات عبر النطاقات الثلاثة، وتحديد المصادر الأعلى تأثيراً، وبناء خطة تدريجية تجمع بين المكاسب التشغيلية السريعة والاستثمارات متوسطة وطويلة الأجل.
كما تناولت دور كفاءة الطاقة، والتحول نحو المصادر المتجددة، وكهربة المعدات، وإدارة سلاسل التوريد، وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في تقليل الهدر وخفض الكربون الكامن في المواد الخام.
وشددت الورقة على ضرورة متابعة مؤشرين متكاملين عند تقييم الأداء المناخي للمنشآت، هما إجمالي الانبعاثات المطلقة وكثافة الانبعاثات، إلى جانب مؤشرات تنفيذية واضحة، مع تحديد المسؤوليات والموارد والجداول الزمنية لكل إجراء.
وتطرقت كذلك إلى أهمية إعطاء الأولوية للخفض الفعلي للانبعاثات قبل اللجوء إلى إزالة الكربون المتبقي، وربط أهداف الحياد الصفري بمسارات علمية قابلة للقياس والتحقق.
عماد سعد: الاستدامة ليست حياة أقل جودة.. بل كفاءة أعلى وهدر أقل
وفي ورقته العلمية بعنوان «الكربون في حياتنا.. أين يختبئ؟»، قدم المهندس عماد سعد، خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة أبوظبي، قراءة تحليلية للبصمة الكربونية غير المرئية التي ترافق الإنسان في تفاصيل يومه الاعتيادي، من المنزل والطعام والتنقل والعمل، إلى التسوق والمنتجات الاستهلاكية والعالم الرقمي والسفر.
وأوضح أن الكربون لا يرتبط فقط بما نستهلكه مباشرة من طاقة ووقود، بل يمتد إلى سلاسل إنتاج السلع والخدمات ونقلها وتشغيلها والتخلص منها، ما يجعل فهم البصمة الكربونية خطوة ضرورية لإعادة التفكير في أنماط الاستهلاك والإنتاج.
ولفت سعد إلى أن المسؤولية عن خفض الانبعاثات لا ينبغي أن تُحمّل للفرد وحده، لأن خياراته تتأثر بتصميم المدن، وكفاءة المباني، وتوافر النقل العام، وطبيعة المنتجات، وأنظمة الطاقة والسياسات الاقتصادية.
وطرح في ورقته ثلاثة مفاهيم مترابطة تشكل مدخلاً عملياً لخفض البصمة الكربونية دون المساس بجودة الحياة، وهي: الكفاءة (Efficiency)، والكفاية (Sufficiency)، والدائرية (Circularity)، مؤكداً أهمية الحصول على القيمة والخدمة نفسيهما باستخدام موارد أقل، والتمييز بين الاحتياجات الفعلية والاستهلاك غير الضروري، وإطالة العمر التشغيلي للمنتجات من خلال الصيانة والإصلاح وإعادة الاستخدام والتدوير.
واختتم ورقته برسالة مفادها أن الاستدامة ليست مشروعاً لجعل الحياة أكثر صعوبة، وإنما وسيلة لجعلها أفضل بكفاءة أعلى وهدر أقل وقيمة أكبر، مشيراً إلى أنه ربما لا يمكننا رؤية الكربون في حياتنا اليومية، لكننا نستطيع رؤية أثر القرارات التي تخفضه.
من المعرفة إلى صناعة القرار
وشهدت الندوة طرح مجموعة من القضايا المتعلقة بالتحديات التي تواجه المؤسسات عند الانتقال من القياس إلى التنفيذ، والجدوى الاقتصادية للاستثمار في خفض الانبعاثات، وأهمية دمج مؤشرات الأداء الكربوني ضمن الاستراتيجيات المؤسسية وقرارات الإدارة العليا.
كما سلطت الأوراق الثلاث الضوء على أن نجاح العمل المناخي لا يعتمد على الحلول التقنية وحدها، بل يتطلب توافر بيانات موثوقة، وحوكمة فعالة، واستثمارات مدروسة، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي وتوفير خيارات استهلاكية وإنتاجية أقل أثراً على البيئة.
وتأتي هذه الندوة في إطار جهود شبكة بيئة أبوظبي وشركائها لتعزيز نشر المعرفة العلمية المتخصصة، وبناء جسور التواصل بين الخبراء والمؤسسات والمجتمع، ودعم التحول من الوعي بقضايا التغير المناخي إلى ممارسات وقرارات عملية تسهم في خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
واختُتمت الندوة بالتأكيد على رسالة محورية مفادها أن قياس البصمة الكربونية يمثل نقطة البداية، لكن القيمة الحقيقية تتحقق عندما تتحول الأرقام إلى قرارات، والقرارات إلى إجراءات، والإجراءات إلى أثر بيئي واقتصادي ومجتمعي قابل للقياس.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

جاما ستوديوز تطلق منشأة للإنتاج الافتراضي في الإمارات تعتمد على تقنيات سوني لدعم صناع الأفلام

زبيدة حمادنة دبي، الإمارات العربية المتحدة – 30 سبتمبر 2026 – أعلنت جاما ستوديوز اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *