أخبار عاجلة

السعودية ليست ضعيفة.. حين يتحوّل الانفعال إلى «تحليل سياسي»


بقلم: مصطفى محمد القرشي
في أوقات الأزمات، تزداد الحاجة إلى الكلمة المسؤولة؛ لأن القلق يفتح بابًا واسعًا للتأويل، ولأن ما يُكتب في لحظة انفعال قد ينتشر أسرع مما يُكتب بعد التحقّق. وبين الرغبة في فهم الأحداث والتسرّع في تفسيرها، تطالعنا نصوص تحمل عنوان «التحليل السياسي»، لكنها تقدّم اتهامات جازمة بلا أدلة، وتربط بين أحداث متفرقة، ثم تعرض استنتاجاتها وكأنها حقائق لا تقبل النقاش.
وفي بعض ما يُتداول عن السعودية، يتجاوز الأمر نقد قرار أو مناقشة سياسة إلى تصوير الدولة وكأنها غافلة عمّا حولها، عاجزة عن قراءة مصالحها، أو مستسلمة لإرادة الآخرين. وهي صورة لا يثبتها أصحابها بقدر ما يكررونها، بلغة حادّة وثقة كبيرة باستنتاجات تفتقر إلى التوثيق.
المشكلة ليست في الاختلاف مع السعودية؛ فالسياسات قابلة للنقاش، والقرارات يمكن تقييم نتائجها. المشكلة أن يتحوّل الاحتمال إلى يقين، والانفعال إلى بديل عن المعرفة.
مزالق القراءة الانفعالية
ليس كل تزامن بين حدثين دليلًا على التنسيق بين أطرافهما، ولا كل اتفاق محدود إعلانًا عن تحالف شامل، ولا كل خلاف بين شركاء إثباتًا لمؤامرة. ومن يدّعي وجود مخطط سرّي لاستهداف دولة أو الاستيلاء على ثرواتها، عليه أن يقدّم دليلًا يتناسب مع خطورة ادعائه. أما تكرار عبارة «المخطط واضح» فلا يجعل المخطط حقيقة.
يبدأ التحليل الرصين بالتحقّق من الواقعة ومصدرها، وفحص ما تثبته الوثائق وما لا تثبته، ومقارنة التفسيرات الممكنة، ثم الفصل بين الوقائع والاستنتاجات، مع الاعتراف بحدود المعلومات المتاحة. فقول الكاتب «لا تتوافر معلومات كافية» أكثر مهنية من ملء الفراغ برواية مثيرة.
وحتى عندما تكون الواقعة صحيحة، قد يكون التفسير المبني عليها خاطئًا؛ إذ لا تكفي معرفة أن اتفاقًا أُبرم للحكم على جميع أهدافه وتداعياته، ولا يجوز الانتقال من خلاف معلن إلى الجزم بوجود تواطؤ خفي. وبين المعلومة والحكم عليها مسافة يجب أن يقطعها الكاتب بالحجة، لا بالتخمين.
كما أن نقد حكومة أو سياسة أو جهاز استخبارات ينبغي أن يكون محددًا ومسندًا؛ فالتعميم على الشعوب والأديان، وإقحام الشتائم في تفسير الأحداث، يضعفان الحجة ويحوّلان النقاش إلى خصومة لا تساعد على الفهم.
قوة الدولة وحدود المعلومة المعلنة
ومن أخطاء هذه الكتابات أنها تتعامل مع غياب التفاصيل المعلنة بوصفه غيابًا للوعي أو الفعل. وقد تفرض إدارة الأزمات عدم إعلان بعض التقديرات والإجراءات والاتصالات؛ ولذلك لا يثبت غيابها عن المجال العام غياب الفعل، كما لا يكفي وحده لإثبات نجاحه. ويظل التقييم مرتبطًا بالأدلة والنتائج المتاحة.
هذه الموازنة ضرورية؛ فلا يصح اتهام دولة بالغفلة لأننا لا نعرف كل ما تفعله، ولا يصح تبرير كل نتيجة بافتراض وجود تدبير غير معلن. الإنصاف يقتضي الاعتراف بما نعرفه، والتوقف عند حدود ما لا نعرفه.
والسعودية ليست دولة ضعيفة لمجرد أنها تواجه تهديدًا؛ فالتعرّض للخطر لا يعني العجز، ووقوع اعتداء لا يكفي وحده للحكم على ضعف الدولة. وإنما تُقيَّم قدرتها من خلال الوقاية والاستجابة واحتواء الأضرار والتعافي، إلى جانب استمرارية الخدمات، وفاعلية حماية السكان والمنشآت، واستدامة سلاسل الإمداد، وكفاءة إدارة الموارد والعلاقات الدولية، واستقرار المؤسسات والنظام العام.
وهذه معايير للفحص، وليست أوصافًا تُمنح سلفًا. فالتقييم الجاد لا يُختزل في مشهد منفرد أو عنوان متداول، بل ينظر إلى النتائج في سياقها، ويوازن بين حجم التهديد والقدرة على مواجهته.
الشراكات والاستثمارات.. التقييم بالأرقام
كذلك لا يجوز اختزال الشراكات الدولية في التبعية، أو وصف الاستثمارات بالهدر دون دراسة أهدافها وعوائدها ومخاطرها. يمكن مساءلة أي شراكة أو استثمار، لكن المساءلة تبدأ بالأرقام والعقود والنتائج، وبالتمييز بين التعهدات والتنفيذ الفعلي، وبين رأس المال المستثمر والعائد المتوقع، لا بالأوصاف التي تستثير الغضب وتغني صاحبها عن تقديم البرهان.
وتزداد مسؤولية الكاتب في الظروف الحساسة؛ إذ قد تسهم رواية غير موثّقة في تشويش الرأي العام، وتعميق الخلاف بين الشعوب، وإضعاف الثقة دون أساس. ولا تعفي النية الحسنة صاحب الكلمة من مسؤولية التحقّق، كما أن القول «أنا أخشى على السعودية» لا يبرّر الإساءة إليها أو تصوير شعبها ومؤسساتها باعتبارهم عاجزين عن فهم واقعهم.
ولا يعني ذلك إغلاق باب النقد أو الاكتفاء بعبارات الطمأنة. المطلوب نقد محدد في موضوعه، واضح في مصادره، منصف في أحكامه، وقادر على مراجعة استنتاجاته عندما تظهر معلومات جديدة. أما النص الذي يبدأ بالشتيمة وينتهي بالجزم بما يجري خلف الأبواب المغلقة، فيحتاج إلى مراجعة منهجه قبل مطالبة الآخرين بتصديقه.
إن احترام السعودية لا يقتضي الاتفاق مع كل سياساتها، لكنه يقتضي التعامل معها بإنصاف، واحترام حقها في تقدير أمنها ومصالحها. ومن يريد مناقشة قراراتها، فليقدّم حجة؛ ومن يريد اتهامها بالغفلة أو العجز، فليأتِ بدليل.
في زمن الأزمات، تحتاج الكلمة إلى مزيد من الدقة، لا إلى مزيد من الصراخ. والسعودية لا تختزلها رواية انفعالية، ولا يُحكم على قوتها بمنشور يفتقر إلى التوثيق.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق النشر: هل نكتب ما تثبته المعلومات، أم ما تمليه علينا المشاعر؟

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

دماء الأبرياء في الرياض والدمام.. السعودية ليست وحدها

ما حدث في المملكة العربية السعودية ليس حادثا عابرا يمكن تجاوزه ببيان إدانة تقليدي، ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *