د. آمال إبراهيم: نحتاج إلى دراما تناقش مشكلات الأسرة بوعي، لا أن تتحول بعض مشاهدها إلى نماذج قابلة للتقليد


علاء حمدي
في ظل التأثير المتزايد للدراما التلفزيونية والمنصات الرقمية في تشكيل الوعي الاجتماعي، تبرز الحاجة إلى فتح نقاش جاد حول مسؤولية الأعمال الدرامية عن الرسائل التي تقدمها، ومدى تأثيرها في أنماط التفكير والسلوك، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات الزوجية، والتنشئة الأسرية، وتربية الأبناء، وإدارة الخلافات داخل الأسرة.
وفي هذا السياق، تدعو الدكتورة آمال إبراهيم، استشاري العلاقات الأسرية ورئيس مجلس الأسرة العربية للتنمية، إلى تبني آلية مهنية لدراسة التأثيرات النفسية والاجتماعية للمحتوى الدرامي، مع إيلاء اهتمام خاص للأعمال التي تتناول الخلافات الزوجية، والخيانة، والانتقام، والتجسس على الشريك، والتلاعب النفسي، والإدمان، والعلاقات بين الآباء والأبناء.
وتؤكد أن هذه الدعوة لا تستهدف تقييد الإبداع الفني أو منع الدراما من تناول القضايا الشائكة، وإنما تنطلق من الإيمان بأهمية الفن بوصفه أحد المؤثرات الثقافية والاجتماعية التي تسهم في تشكيل تصورات الجمهور عن الحياة والعلاقات الإنسانية.
من مناقشة المشكلة إلى تقديم نموذج للسلوك
وتوضح الدكتورة آمال إبراهيم أن هناك فارقًا جوهريًا بين عمل درامي يكشف عن مشكلة اجتماعية بهدف فهم أسبابها ونتائجها، وعمل يقدم السلوكيات المؤذية في صورة جذابة أو يعرض تفاصيلها العملية دون إظهار كافٍ لعواقبها.
وتشير إلى أن بعض الأعمال التي تتناول الانتقام داخل العلاقات الزوجية تثير تساؤلات تستحق الدراسة، خاصة عندما تتضمن مشاهد تتعلق بالمراقبة والتجسس والتلاعب بالشريك، أو ممارسات خطيرة تستهدف التأثير في سلوكه وصحته.
وتضيف أن خطورة هذه المشاهد لا يمكن الحكم عليها من خلال وجودها وحده، بل ينبغي النظر إلى طريقة تقديمها، والسياق الذي تظهر فيه، ومدى إدانة السلوك أو تبريره، وطبيعة النتائج التي تترتب عليه داخل العمل الدرامي.
فالمشاهد لا يستقبل الرسالة الفنية بالطريقة نفسها دائمًا؛ إذ تتأثر استجابته بعمره، وخبراته، ودرجة نضجه، والبيئة الاجتماعية المحيطة به. ومن هنا تأتي أهمية دراسة التأثير الفعلي للمحتوى بدلًا من الاكتفاء بالانطباعات أو الاتهامات العامة.
هل يمكن أن تتحول الدراما إلى مصدر لتعلم السلوكيات السلبية؟
وتطرح الدكتورة آمال إبراهيم تساؤلًا مهمًا حول مسؤولية صُنّاع الدراما تجاه الشباب والمراهقين، خاصة في مرحلة تتشكل فيها مفاهيمهم عن الحب والزواج والخصوصية والانتقام والحدود الشخصية.
وتؤكد أن عرض السلوك المؤذي لا يعني بالضرورة تشجيعه، لكن تقديمه باعتباره وسيلة ناجحة للسيطرة أو استعادة الكرامة أو تحقيق الانتصار قد يخلق لدى بعض المشاهدين تصورات مشوهة عن كيفية التعامل مع الخلافات.
وتلفت إلى أن الخطر يكمن في ترسيخ فكرة أن الانتقام هو الحل، وأن التجسس دليل على الحب، وأن التلاعب النفسي وسيلة مشروعة لمعاقبة الشريك، بدلًا من تعزيز ثقافة الحوار والمواجهة الآمنة وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة.
وتشدد على ضرورة التمييز بين المسؤولية عن المحتوى والادعاء بوجود نية متعمدة للإضرار بالمجتمع؛ فالحكم على نوايا صُنّاع الأعمال لا ينبغي أن يسبق البحث والتقييم، بينما تظل دراسة الرسائل والآثار المحتملة حقًا مشروعًا للمجتمع.
لماذا نحتاج إلى متخصصين نفسيين واجتماعيين؟
وتطالب الدكتورة آمال إبراهيم بإتاحة مشاركة المتخصصين في علم النفس والاجتماع والإرشاد الأسري ضمن مراحل إعداد ومراجعة الأعمال الدرامية التي تتناول قضايا أسرية ونفسية شديدة الحساسية.
وتوضح أن دور هؤلاء المتخصصين لا يتمثل في فرض وصاية على المؤلف أو المخرج، وإنما في تقديم رؤية علمية تساعد على فهم طبيعة السلوكيات المعروضة، ومدى واقعيتها، والمخاطر المحتملة لتقديمها بصورة قد يساء فهمها، مع الحفاظ على حرية الإبداع والمعالجة الفنية.
كما تدعو إلى إجراء دراسات مستقلة لقياس تأثير المحتوى الأسري في الجمهور، من خلال استطلاعات الرأي، ومجموعات النقاش، ودراسات الجمهور قبل المشاهدة وبعدها، وتحليل طبيعة الرسائل التي يتلقاها المشاهدون، مع الاهتمام بالفروق العمرية والاجتماعية.
وتؤكد أن التقييم ينبغي ألا يقتصر على نسب المشاهدة أو التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فنجاح العمل جماهيريًا لا يعني بالضرورة أن تأثيره الاجتماعي إيجابي، كما أن تناوله لموضوعات صادمة لا يجعله بالضرورة عملًا ضارًا. الفيصل هو طبيعة المعالجة، والأدلة المتاحة على التأثير، ومدى قدرة العمل على تقديم رؤية إنسانية متوازنة.
الأسرة بين حرية الإبداع والمسؤولية المجتمعية
وترى الدكتورة آمال إبراهيم أن الأسرة العربية تواجه تحديات متزايدة تتعلق بالتغيرات الثقافية والرقمية، وضعف التواصل بين الأجيال، وانتشار بعض التصورات غير الواقعية عن العلاقات الزوجية، وهو ما يجعل من الضروري أن تتكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات المعنية بالتنمية الأسرية.
وتؤكد أن الدراما قادرة على أداء دور إيجابي مهم عندما تقدم نماذج واقعية للتعامل مع الأزمات، وتكشف عواقب العنف والخيانة والتلاعب، وتساعد الجمهور على فهم الدوافع النفسية والاجتماعية للسلوك الإنساني، بدلًا من الاكتفاء بإثارة الجدل أو تقديم الصدمات.
كما تشدد على أن معالجة الخلافات الزوجية ينبغي ألا تختزل العلاقة في الصراع المستمر أو تجعل الانتقام غاية في حد ذاته، بل من المهم أن تعرض إمكانات الإصلاح والحوار وتحمل المسؤولية، مع التأكيد على حق كل طرف في الحماية من العنف والإيذاء.
نحو ميثاق مهني للمحتوى الأسري
وفي ختام دعوتها، تقترح الدكتورة آمال إبراهيم فتح حوار مهني يضم ممثلين عن الجهات الإعلامية وصُنّاع الدراما والمتخصصين النفسيين والاجتماعيين ومؤسسات حماية الأسرة والطفل، بهدف وضع مبادئ إرشادية للمحتوى الذي يتناول القضايا الأسرية الحساسة.
وتشمل هذه المبادئ، بحسب المقترح، تقييم المخاطر المحتملة للمشاهد شديدة الحساسية، وتوضيح التصنيف العمري المناسب، وتجنب تقديم السلوكيات الخطيرة باعتبارها حلولًا سهلة أو ناجحة دون سياق نقدي، إلى جانب تشجيع الدراسات المستقلة التي ترصد استجابات الجمهور وتساعد على تطوير المحتوى مستقبلًا.
وتختتم الدكتورة آمال إبراهيم بالتأكيد على أن الهدف ليس دراما بلا مشكلات، وإنما دراما أكثر وعيًا بمسؤوليتها تجاه المجتمع؛ دراما تكشف الخلل دون أن تروّج له، وتناقش الأزمات دون أن تجعل الأذى نموذجًا يُحتذى، وتمنح الأسرة فرصة لفهم مشكلاتها والبحث عن حلول أكثر أمانًا وإنسانية.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: ماذا تعرض الدراما؟ بل أيضًا: كيف تعرضه، وكيف يفهمه الجمهور، وما الذي يمكن أن نتعلمه من أثره في حياتنا وعلاقاتنا؟

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

حملة شفاء تجتاح عين شمس وتقدم مظلة طبية شاملة للأهالي بأسعار مخفضة

في مشهد غير مسبوق، نجحت حملة شفاء في فرض نفسها كأكبر مبادرة صحية مجتمعية داخل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *