تصميم ما لا يُرى في قطاع الضيافة: مستقبل الضيافة ستحدده السلوكيات البشرية لا المباني

بقلم: ديان ثورسن

مدير التصميم والشريك الرائد لقطاع الضيافة العالمي في  “جينسلر”

إن قطاع الضيافة هو أحد القطاعات القليلة التي يُختبر فيها التصميم على أرض الواقع وفي الوقت الفعلي؛ فالناس لا يكتفون بمشاهدته فحسب، بل يعيشون بداخله. وإن كل ممر، ومساحة انتقال، وتسلسل وصول، وحالة إضاءة، وقرار مكاني له تأثير فوري على السلوك البشري والعافية النفسية والجسدية. فإما أن يشعر الضيوف بالارتباط بالتجربة أو لا يشعرون ، إذ لا مجال هنا للاختباء خلف مخطط تصميمي (Render) مبهر، أو حملة إطلاق دعائية، أو تقدير وتكريم من القطاع. وإذا فشل المكان عاطفيًا أو نفسيًا أو تشغيليًا، فإن الناس ببساطة يختارون عدم العودة إليه مجددًا. هذه الصراحة المطلقة هي بالتحديد ما يجعل قطاع الضيافة أحد أكثر القطاعات إثارة وشغفًا في مجال التصميم اليوم.

يمر هذا القطاع حاليًا بواحد من أهم تحولاته منذ عقود. ومع ذلك، لا تزال العديد من النقاشات تركز على المخرجات المرئية الملموسة: مثل مرافق العافية، أو الوحدات السكنية الحاملة لعلامات تجارية (Branded Residences)، أو الوجهات متعددة الاستخدامات، أو دمج التكنولوجيا. غير أن ما يثير اهتمامي بشكل أكبر هو التحول السلوكي الكامن وراء كل هذه الاتجاهات. فنحن في “جينسلر” ننظر إلى الضيافة بشكل متزايد ليس كنمط بناء معماري، بل كـ “سلوك”. وهذا السلوك يمثل فارقًا جوهريًا لأننا لم نعد نصمم الفنادق بمفهومها التقليدي ؛ بل أصبحنا نصمم بيئات تدعم أنماط الحياة المرنة والمتغيرة باستمرار، حيث يتعايش العمل، والعافية، والتواصل الاجتماعي، والاستشفاء، والثقافة، والهوية معًا في وقت واحد. لقد أصبح التعريف التقليدي للفندق أقل أهمية لأنه يصف فئة تشغيلية بدلاً من أن يصف تجربة إنسانية.

السلوك يغدو المفهوم الجديد للفخامة

لعلك تجد أوضح مؤشر على هذا التحول في الصعود الاستثنائي لاقتصاد العافية العالمي. فوفقًا لتقرير تصنيفات الدول لعام 2026 الصادر عن معهد العافية العالمي (Global Wellness Institute)، يواصل قطاع العافية تفوقه على العديد من القطاعات الاستهلاكية التقليدية على مستوى العالم، حيث صُنفت دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من بين أسرع أسواق العافية نموًا في العالم. ويشير المعهد إلى أن الإنفاق على التجارب والخدمات والبيئات المرتبطة بالعافية يتسارع بشكل ملحوظ عبر الأسواق الناشئة، حيث باتت الرفاهية تؤثر بشكل متزايد على القرارات المتعلقة بالسفر والضيافة والعقارات. والمهم هنا هو أن العافية لم تعد تعمل كمجرد فئة تصنيفية في قطاع الضيافة، بل أصبحت مِصفاة (فلتراً) يتخذ الناس قراراتهم بناءً عليها.

فالنزلاء يقيمون الوجهات بشكل متزايد استنادًا إلى مدى دعم البيئات المحيطة بهم لجودة النوم، والتركيز، والاستعادة، وطول العمر، والرفاهية العاطفية، والوضوح الذهني. إن العافية اليوم تعيد صياغة التوقعات عبر كل جانب من جوانب تجربة النزيل. والمفارقة تكمن في أن البيئات الأكثر نجاحًا غالبًا ما تكون الأقل بروزًا للعين ؛ فالتصميم الحقيقي القائم على العافية ليس استعراضيًا، بل يكمن في إزالة العقبات، وتوفير مسارات حركة انسيابية بديهية، والراحة الصوتية (العزل الصوتي)، والتحفيز الحسي المتوازن، والبيئات التي تحد من التوتر قبل أن يدرك النزلاء بوعيهم سبب شعورهم بالاختلاف والراحة.

وفي نواحٍ كثيرة، تتطور الفخامة في الاتجاه نفسه. ف لسنوات طويلة، ربط قطاع الضيافة الفخامة بالوفرة المادية والمظاهر الملموسة ؛ أما اليوم، فقد باتت التجارب الأكثر جاذبية وتفضيلًا تُعرف بالبساطة، والهدوء، والراحة العاطفية. وفي عالم يتسم بالتحفيز المستمر والمشتتات الدائمة، أصبح غياب المشتتات وندرتها أحد أثمن أنواع الرفاهية المتاحة.

الشرق الأوسط يتحول إلى مختبر عالمي لتطور قطاع الضيافة

إن ما يمنح منطقة الشرق الأوسط أهمية خاصة هو أن العديد من هذه التحولات السلوكية تحدث فيها على نطاق واسع وهائل. ووفقًا لتوقعات المجلس العالمي للسفر والسياحة لعام 2026، كان من المتوقع أن يصل إنفاق الزوار الدوليين في جميع أنحاء الشرق الأوسط إلى 207 مليار دولار أمريكي هذا العام، وذلك قبل أن تؤثر الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية على هذه التوقعات. ورغم التقلبات قصيرة المدى، فإن مسار النمو الأساسي يعكس السرعة الاستثنائية التي أصبحت بها المنطقة واحدة من أكثر أسواق الضيافة والسياحة نفوذاً وتأثيراً في العالم.

ولم تعد المنطقة تابعة لنماذج الضيافة العالمية، بل أصبحت تصيغها وتتولى ابتكارها بشكل متزايد. ففي جميع أنحاء المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومنطقة الخليج ككل، يتم دمج الضيافة في أشكال جديدة تمامًا من التطوير الحضري. حيث تدمج الوجهات الكبرى واسعة النطاق بين الحياة السكنية، والعافية، والترفيه، والثقافة، ومساحات العمل، والسياحة في منظومات بيئية مترابطة، بدلاً من التعامل معها كأصول عقارية معزولة. وما يبرز وينشأ هنا ليس مجرد تطوير متعدد الاستخدامات، بل هو إعادة تعريف شاملة لكيفية تجربة الناس للمكان واستمتاعهم به.

الانتماء يحرك نمو المجمعات السكنية الحاملة لعلامات تجارية (Branded Living)

يعد التوسع السريع للوحدات السكنية الحاملة لعلامات تجارية (Branded Residences) أحد أقوى المؤشرات على تغير سلوك المستهلك. فوفقًا لتقرير “ساويلز” للوحدات السكنية الحاملة لعلامات تجارية لعام 2025/2026، سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أحد أسرع معدلات النمو على مستوى العالم، حيث توسع هذا القطاع بنسبة 187% على مدى السنوات الخمس الماضية. وتعد دبي ومنطقة الخليج العربي الآن من بين أسواق السكن الحامل لعلامات تجارية الأكثر تأثيرًا في العالم.

وفي حين يُفسر هذا النمو غالبًا على أنه طفرة عقارية، فإنني أرى أنه في جوهره قصة تبحث عن “الهوية”. فالناس يرغبون بشكل متزايد في الانتماء إلى مجتمعات، ومنظومات قيمية، وبيئات ثقافية تعكس حقيقتهم أو تطلعاتهم المستقبلية. ولهذا السبب، تتوسع دور الأزياء، ومجموعات الضيافة، وشركات السيارات، والمؤسسات الثقافية في تصميم وتطوير بيئات ومساحات مادية؛ لأن المستهلكين باتوا يبحثون عن التناغم العاطفي والارتباط الوجداني بدلاً من التجارب القائمة على البيع والشراء والتعاملات الجافة. وبذلك تصبح الضيافة أقل تركيزًا على توفير مكان للإقامة، وأكثر تمحورًا حول خلق شعور بالانتماء والارتباط.

على القطاع التوقف عن التصميم لأجل “اللقطة الفوتوغرافية”

إن أحد الجوانب التي أعتقد أن القطاع لا يزال يكافح فيها هو هوسه باللحظات البصرية المنسقة والمعدة بدقة لتبدو مبهرة. ف لسنوات طويلة، أعطت الضيافة الأولوية لتجارب الوصول الدرامية الخاطفة للأنظار، والظهور على وسائل التواصل الاجتماعي، والتصاميم المعمارية المصممة خصيصاً لجذب الانتباه. ومع ذلك، فإن تجارب النزلاء الأكثر عمقاً ومعنى نادراً ما تحدث في تلك اللحظات الصاخبة، بل تقع في مساحات الانتقال والعبور؛ في الممر المؤدي إلى الغرفة، في التحول والانتقال بين المساحة العامة والخاصة، في الترقب والتشوق الذي تخلقه الحركة عبر البيئة المحيطة، وفي لحظات الاكتشاف التي تتكشف وتظهر تدريجياً بمرور الوقت.

هذه التجارب يصعب التقاطها في صورة فوتوغرافية، لكنها غالباً ما تكون أكثر ما يتذكره النزلاء ويعلق في ذاكرتهم. وبصفتنا مصممين، ينبغي لنا أن نقضي وقتاً أقل في التساؤل عما إذا كانت المساحة ستحقق أداءً رائعاً وتفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، ونمنح وقتاً أطول لفهم كيفية أداء هذه المساحة وتأثيرها عاطفياً على مدار سنوات من الاستخدام المتكرر.

الضيافة تنتقل من مفهوم “التدليل” إلى “الارتقاء البشري والأداء الأمثل”

ثمة تحول سلوكي آخر يشكل ملامح هذا القطاع، وهو التركيز المتنامي على الارتقاء بالأداء البشري (Human Optimization). حيث يحدد تقرير اتجاهات قمة العافية العالمية لعام 2026 (Global Wellness Summit) مجالات عدة بوصفها القوى المحددة لتوقعات المستهلكين المستقبلية، ومنها: طول العمر وصحة الشيخوخة، واستشفاء الجهاز العصبي، والعافية الشخصية المخصصة، والبيئات المصممة للارتقاء بالأداء. وبينما ستتطور بعض تقنيات العافية حتماً وتتغير، فإن الرغبة الأساسية الكامنة وراءها تبدو ثابتة ومستدامة.

فالناس يريدون بشكل متزايد بيئات تساعدهم على التفكير بوضوح أكبر، والنوم بشكل أفضل، والاستشفاء بشكل أسرع، والعمل بفعالية أعلى. ولم تعد الفنادق مجرد أماكن ينام فيها الناس، بل تحولت إلى بيئات مصممة خصيصاً لتحسين جودة وكيفية حياة البشر.

التصميم من أجل مواكبة الواقع وترك الأثر

إن ما يمنحني التفاؤل الأكبر هو الجيل القادم من المسافرين. لقد كُتب الكثير عن علاقة “الجيل زد” (Gen Z) بالتكنولوجيا، لكني أعتقد أن القصة الأكثر أهمية هي كيفية إعادة صياغتهم للتوقعات حول التجربة نفسها. وبخلاف الأجيال السابقة، فهم لا يفصلون بين البيئتين الرقمية والمادية ؛ بل يتنقلون بسلاسة بينهما، متوقعين المستوى نفسه من التخصيص، والأصالة، والتفاعل في كلتيهما.

وهذا التحول يؤثر بالفعل على قطاع الضيافة. فوفقاً لتقرير اتجاهات السفر العالمي لعام 2026 الصادر عن “أمريكان إكسبريس ترافيل”، يعطي المسافرون الشباب الأولوية بشكل متزايد للتجارب التي تحقق الإثراء الشخصي، والانغماس الثقافي، والتواصل الهادف على حساب مظاهر الفخامة التقليدية. وبالمثل، وجد تقرير اتجاهات “هيلتون” لعام 2026 أن مسافري “الجيل زد” هم أكثر ميلاً للبحث عن تجارب تتوافق مع قيمهم، وتدعم رفاهيتهم، وتخلق لديهم شعوراً بالانتماء، بدلاً من مجرد توفير مكان للإقامة.

وما يلفت انتباهي بشدة هو حساستهم العالية تجاه الأصالة ؛ فهم يدركون على الفور متى يبدو المكان أو العلامة التجارية أو التجربة مصطنعة ومصنعة تصنعاً. كما أنهم أقل اهتماماً بالمظاهر الطبقية والمكانة الاجتماعية (Status)، وأكثر اهتماماً بمدى ملامسة التجربة لواقعهم ومواكبتها لاهتماماتهم (Relevance). إنهم يريدون بيئات تشعرهم بالصدق، وتكون قابلة للتكيف، وتعكس الحياة الواقعية الحقيقية بدلاً من النسخ المثالية الزائفة عنها.

يمثل هذا التوجه للمصممين تحدياً وفرصة في آن واحد. فقد أمضى قطاع الضيافة سنوات في تطوير الأصول المادية وإيصالها لحد الكمال ؛ والآن يطلب منا الجيل القادم التفكير بعمق أكبر في الأثر العاطفي، والمجتمع، والغاية. إنهم يتحدوننا لنصمم بيئات تستمر في خلق القيمة وتقديمها لفترات طويلة بعد أن تخبو وتتلاشى بهجة وجاذبية يوم الافتتاح.

وهذا التوقع يعد في نهاية المطاف تطوراً إيجابياً لأنه يدفع القطاع نحو ابتكار شيء أكثر استدامة وبقاءً. فالأعمال والمشاريع التي ستكون الأكثر أهمية وتأثيراً على مدى العقد المقبل لن تكون تلك التي تثير الضجة الأكبر وتجذب أكبر قدر من الانتباه يوم افتتاحها ؛ بل ستكون تلك التي يستمر الناس في اختيارها والعودة إليها بعد أن يزول بريق الحداثة والجدة عنها.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

مرة أخرى عن المعارضات التعيسة

بحكمة حكيم، جعل البعض من السماسرة من أنفسهم بارونات لمعارضة تَعد ببناء دولة فوق الدولة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *