لم آت اليوم لأخاطبكم خطاب المديح ولا لأعدّد عليكم آلامنا. جئتُ لأسمّي الأشياء بأسمائها، ولأضع بحضوركم، المرآة أمام وجه نخبتنا… نخبة اعتادت أن ترى شرفها في ختمٍ أجنبي، وأن تقيس وزنها بعدد من يصفق لها في صالونات باريس وواشنطن وعواصم أخرى.
لقد تحوّل منطق السياسة عند بعضهم إلى معادلة مخزية:
من يحظى بدعمٍ فرنسي فهو “الرصين”.
ومن تصنعه دوائر واشنطن فهو “الكفء”.
ومن ترفعه لوبيات الخارج فهو “رجل المرحلة”.
كأن الاستقلال الذي دفعنا ثمنه دماً من شعبنا وجيشنا، كأنه صار مجرّد شهادة تُمنح في سفارة، فتصبح السيادة مجرد حقائب وزارية تُوزّع وتُحصى فيها حصص “المظلة الفرنسية” و”الصناعة الأمريكية” و”غيرها” ، كما تُحصى البضائع في سوق.
وللأسف، هذه ليست نخبة. هذا امتداد.
لثقافة المستعمر التي لم تغادرنا… غادر الجنود، وبقيت العقلية، عقلية التبعية المتجذرة في بعض العقول، وفي أقلامٍ تصاحبها، وفي منابرٍ تبررها، وفي أكاديمياتٍ تُنظّر لها.
تلك عقلية تقول لنا ضمناً: “أنتم غير ناضجين للحرية، غير أهلٍ للقرار، غير قادرين على الديمقراطية إلا بوصاية”.
وكأن العرب تلاميذ أبديون في مدارس الغير، ينتظرون تعليمات هذا وذاك.
كفى.
كفاية!
آن الأوان لقطيعةٍ حضاريةٍ مع هذا التقليد المذل. آن الأوان أن نغيّر هذا السلوك التّبعي المهين، أن ننزعه من فوق قلوبنا وعقولنا كما تُنزع الغشاوة.
لا يحق لفرنسا أن تقرر عنا مصيرنا.
ولا يحق لأمريكا أن تتدخل في خيارات شعوبنا وحقها في تقرير مصيرها واختيار من يحكمها.
لن ننبهر بعد اليوم بوجوهٍ تُقدّم لنا في قراطيس مزينة، اختارتها دوائر أجنبية ثم قالت لنا: “هذا قدَركم”.
السيادة ليست شعاراً نرفعه في المناسبات. السيادة ممارسة يومية… ممارسة تقول: نحن قادرون على تأسيس تجربةٍ وطنيةٍ خالصة، مستقلةٍ عن إرادات الخارج، مستقلةٍ عن أحزابٍ تموّلها خزائن غير خزائننا، مستقلةٍ عن كل رجعيةٍ تريد أن تعيدنا إلى الوراء.
تونس لا رجعة ولا رجعية فيها.
تونس لا وصاية أجنبية عليها مهما كانت.
تونس لأبنائها، بقرارهم، بعقلهم، بإرادتهم.
ومن أراد شرفاً، فليبحث عنه في عيون شعبه، لا في برقيات السفارات.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس