إسطنبول- سيلينا السعيد
في أجواء معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي 2026، وبين رفوف الكتب التي تجمع أصواتًا وتجارب عربية مختلفة، كان لنا لقاء مع الدكتورة فاطمة محمد فرحات، صاحبة كتاب «التصميم الغرافيكي: ماهيته ونظرياته وعلومه»، الصادر عن دار تاسك للنشر.
لم يكن اللقاء مجرد حديث عن كتاب متخصص في التصميم الغرافيكي، بل كان حوارًا عن الفكرة قبل الصورة، والمعرفة قبل الأداة، والإنسان خلف الرسالة البصرية.
فالدكتورة فاطمة تنظر إلى التصميم بوصفه مساحة تتقاطع فيها الفنون والعلوم والفكر والتكنولوجيا، وتؤمن أن المصمم الحقيقي لا تقتصر مهمته على إنتاج صورة جميلة، وإنما عليه أن يفهم الإنسان الذي يخاطبه، والثقافة التي ينتمي إليها، والوظيفة التي يؤديها التصميم، والأثر الذي يمكن أن يتركه.
وفي اختيارها اللغة العربية لكتابة هذا العمل، تبدو هناك رسالة أخرى لا تقل أهمية عن الكتاب نفسه؛ رسالة تؤكد أن المعرفة الحديثة يمكن أن تُنتج بالعربية، وأن الشباب العربي قادر على أن يكون حاضرًا في مجالات التصميم والتكنولوجيا والفكر، لا مجرد متلقٍ لها.
⸻
دكتورة فاطمة، نلتقي اليوم في إسطنبول، وفي مناسبة ثقافية مرتبطة بالكتاب والمعرفة. ماذا يعني لكِ أن يلتقي كتابكِ بالقارئ العربي هنا؟
د. فاطمة محمد فرحات:
يعني لي الكثير.
الكتاب بالنسبة لي لم يكن مجرد مشروع أكاديمي، بل كان رحلة طويلة في التفكير والبحث ومحاولة إعادة النظر في التصميم الغرافيكي من زوايا متعددة.
وأن أراه اليوم بين أيدي القراء العرب، وفي معرض للكتاب العربي في إسطنبول، هو شعور جميل جدًا.
إسطنبول نفسها مدينة تحمل معنى اللقاء؛ بين الشرق والغرب، بين التاريخ والحداثة، وبين ثقافات متعددة.
وأعتقد أن الكتاب أيضًا يحمل فكرة اللقاء؛ لقاء الفن بالعلم، والفكر بالتقنية، والصورة بالإنسان.
⸻
عنوان الكتاب «التصميم الغرافيكي: ماهيته ونظرياته وعلومه» يبدو وكأنه يعلن منذ البداية أن التصميم أكبر من مجرد مهارة تقنية. ما الذي أردتِ قوله؟
أردت أن أقول إن التصميم الغرافيكي ليس مجرد ممارسة بصرية، وليس مجرد إتقان لبرامج التصميم.
التصميم مجال يجمع بين الفكر والعلم والفن والتقنية.
المصمم يحتاج إلى أن يعرف تاريخ الفن وتاريخ التصميم، وأن يغذي فكره وبصره، وأن يتابع التطورات التكنولوجية، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى الممارسة والتجريب.
لأن الفكرة لا تصبح تصميمًا إلا عندما تجد الشكل المناسب الذي يحملها إلى المتلقي.
⸻
في الكتاب تتحدثين عن الوظيفة باعتبارها النواة الأولى للعملية التصميمية. ماذا تقصدين بذلك؟
كل تصميم يجب أن تكون له وظيفة.
قد يكون الهدف أن يُعلّم، أو يُقنع، أو يُعلن، أو يوصل معلومة، أو يبني هوية، أو يخلق تجربة.
ولهذا يجب ألا يبدأ المصمم من السؤال: كيف أجعل التصميم جميلًا؟
بل من أسئلة أكثر أهمية:
ماذا أريد أن أقول؟ ولمن؟ ولماذا؟ وبأي وسيلة؟
بعدها يأتي الشكل.
فالتصميم الجميل الذي لا يؤدي وظيفته قد يكون جميلًا، لكنه ليس بالضرورة تصميمًا ناجحًا.
⸻
كتابكِ يجمع بين الألوان والطباعة والشبكات وبين Design Thinking وBrainstorming وMind Mapping وMood Board وSketching. هل يحتاج المصمم إلى كل هذه الأدوات؟
هذه الأدوات تساعد المصمم على التفكير قبل الوصول إلى النتيجة.
التصميم ليس لحظة إلهام فقط.
هناك بحث، وتحليل، وتجريب، وتطوير، وأحيانًا أخطاء كثيرة قبل الوصول إلى الفكرة المناسبة.
ولهذا أردت أن أوضح أن الإبداع ليس حالة غامضة فقط، وإنما يمكن أن ندرب أنفسنا على طرق التفكير الإبداعي.
⸻
لكنكِ تدخلين أيضًا إلى مناطق تبدو بعيدة عن التصميم، مثل علم النفس والإدراك البصري ونظرية جشتالت. لماذا؟
لأن التصميم يخاطب الإنسان.
ولا يمكن أن أصمم للإنسان من دون أن أفهم كيف يرى ويدرك ويتذكر ويتفاعل.
ولهذا تناولت علم النفس المعرفي، والإدراك البصري، ونظرية جشتالت، والتصميم المتمحور حول الإنسان.
ثم نصل إلى تجربة المستخدم وواجهة المستخدم.
التصميم لم يعد فقط: كيف يبدو الشيء؟
بل أصبح أيضًا: كيف يختبره الإنسان؟ وكيف يتفاعل معه؟
⸻
وفي المقابل، تتحدثين عن السيميائيات والبلاغة البصرية ونظريات الاتصال والثقافة والأيديولوجيا. ماذا تضيف هذه العلوم للمصمم؟
تجعله يرى الصورة بطريقة مختلفة.
الصورة ليست مجرد شكل.
اللون له دلالة، والرمز له دلالة، والخط له دلالة، وحتى طريقة ترتيب العناصر يمكن أن تحمل رسالة.
التصميم فعل اتصالي وثقافي.
وهو يتأثر بالمجتمع والقيم والأفكار والأيديولوجيات.
لذلك أعتقد أن المصمم يحتاج إلى أن يكون مثقفًا بصريًا وإنسانيًا، وليس مجرد مستخدم جيد للبرامج.
⸻
وماذا عن الجانب الجمالي والتحولات من الحداثة إلى ما بعد الحداثة؟
الجمال نفسه مفهوم متغير.
ما كان يُعتبر جميلًا في مرحلة تاريخية معينة ربما لا يُنظر إليه بالطريقة نفسها اليوم.
لذلك كان مهمًا بالنسبة لي أن أتوقف عند علم الجمال Aesthetics، وعند التحولات التي طرأت على مفهوم الفن والجمال، والأسئلة التي ظهرت حول الفن واللافن، وماهية العمل البصري وقيمته الجمالية والفكرية.
⸻
اخترتِ أن يكون الكتاب باللغة العربية. لماذا كان هذا الأمر مهمًا بالنسبة لكِ؟
لأنني أؤمن أن اللغة جزء من المعرفة والهوية.
أردت أن يكون الكتاب متاحًا للقارئ العربي، وأن يجد الطالب والمصمم والباحث مادة علمية متخصصة بلغته.
نحن بحاجة إلى الانفتاح على العالم وعلى أحدث النظريات والتكنولوجيا، لكن هذا لا يعني أن نتخلى عن لغتنا.
على العكس، أعتقد أن علينا أن نُدخل اللغة العربية إلى مساحات المعرفة الجديدة بقوة.
⸻
هل لهذا علاقة أيضًا برغبتكِ في التطور والاندماج في المجتمع العربي؟
بالتأكيد.
أنا حريصة على التطور، وعلى أن أكون جزءًا فاعلًا من المجتمع العربي.
وأرى أن الاندماج الحقيقي لا يكون فقط بالحضور، وإنما بالمشاركة والعطاء.
أن تقدم ما لديك من علم وتجربة، وأن تشارك في بناء المعرفة، وأن تفتح الطريق أمام الآخرين.
والكتاب بالنسبة لي إحدى الطرق التي أستطيع من خلالها أن أكون قريبة من الشباب العربي، وأن أقدم لهم شيئًا يمكن أن يستفيدوا منه في دراستهم وحياتهم المهنية.
⸻
وما الأثر الذي تتمنين أن يتركه الكتاب في الشباب العربي؟
أتمنى أن يترك ثقة.
أن يشعر الشاب العربي أن بإمكانه أن يتعلم ويبحث ويبدع ويكتب وينتج المعرفة.
وأتمنى أن يجد المصمم الشاب في الكتاب شيئًا يدفعه إلى تجاوز فكرة أن التصميم مجرد برنامج أو مهنة.
أريده أن يرى التصميم كمساحة للفكر والإبداع والتأثير.
وربما أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان ليس كتابًا فقط، وإنما فكرة تستمر في عقل شخص آخر.
⸻
وصلنا إلى الذكاء الاصطناعي، وهو اليوم يغير شكل المهنة. هل يمثل تهديدًا للمصمم؟
أراه تحولًا كبيرًا وفرصة في الوقت نفسه.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد المصمم في الإنتاج والتجريب واكتشاف احتمالات جديدة.
لكن هناك شيء لا يجب أن نفقده: الفكرة والرؤية والقرار الإنساني.
الآلة تستطيع أن تنتج صورًا كثيرة، لكن المصمم هو الذي يسأل:
لماذا هذه الصورة؟
ما الرسالة؟
من هو المتلقي؟
ما السياق؟
وما الأثر الذي نريد أن نتركه؟
لهذا أعتقد أن مستقبل التصميم لن يكون لمن يرفض التكنولوجيا، ولا لمن يعتمد عليها بالكامل، وإنما لمن يعرف كيف يستخدمها ويحافظ في الوقت نفسه على صوته ورؤيته الإنسانية.
⸻
أخيرًا، لو أردنا أن تختصري فلسفة الكتاب في جملة واحدة، ماذا تقولين؟
أقول:
«التصميم ليس أن تجعل الأشياء تبدو جميلة، بل أن تجعل الفكرة قابلة لأن تُرى وتُفهم وتؤثر.»
وربما هذا هو جوهر الكتاب كله.
فالتصميم في النهاية علم وفن وممارسة.
وقوته لا تكمن في شكله الجميل فقط، وإنما في الفكرة التي تقف خلفه، والمعرفة التي أسست له، والوظيفة التي يؤديها، والأثر الذي يتركه لدى المتلقي.
⸻
كلمة من إسطنبول
بعد هذا الحوار، بدا واضحًا أن «التصميم الغرافيكي: ماهيته ونظرياته وعلومه» ليس كتابًا عن الصورة وحدها.
إنه كتاب عن كيف نفكر قبل أن نصمم، وكيف نفهم الإنسان قبل أن نخاطبه، وكيف نحافظ على هويتنا ونحن نعبر إلى المستقبل.
وفي إسطنبول، حيث يلتقي الشرق بالغرب، تبدو رسالة الدكتورة فاطمة أكثر وضوحًا:
أن نتطور دون أن نفقد جذورنا،
وأن ننفتح على العالم دون أن نفقد لغتنا،
وأن نستخدم التكنولوجيا دون أن نتخلى عن إنسانيتنا،
وأن نحول المعرفة إلى أثر.
فالصورة قد تعبر العين في لحظة،
لكن الفكرة التي تحملها قد تبقى في الذاكرة سنوات.
وربما لهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله التصميم ليس أن يجعلنا نقول: ما أجمل هذه الصورة!، وإنما أن يجعلنا نتوقف لحظة ونسأل:
ماذا تقول لي؟
ولماذا أثرت فيّ؟
وماذا ستترك في داخلي بعد أن تختفي من أمام عيني؟
وهنا يبدأ التصميم الحقيقي
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس