كتبت:هبة عبد الفتاح
على أول الغيط، وجدته يجلس على مصطبة طينية، يتأمل عود الذرة الذابل ويدندن بمرارة: “يا بصلة بقرش.. ويا قرش فين رحت؟”. عم “بهنسي” الفلاح الفصيح، سألني وهو يمسك بفأس أكل الصدأ نصفها: “يا أستاذ، هو عيد الفلاح يوم كام سبتمبر؟”قلت له: “يوم 9 سبتمبر يا عم بهنسي، عيدكم ال 74”.ضحك ضحكة خرجت من أعماق صدره المثقل بالديون وقال: “هو العيد ده بناخد فيه سلفة من البنك عشان نسدد قسط الكيماوي، ولا بنفطر فيه طعمية ببلاش؟”قلت في نفسي: يا رب يكون المسؤول عن وزارة الزراعة فاهم في الأرض أكتر من عم بهنسي.■في الماضي، وتحديدا عام 1952، صدر قانون الإصلاح الزراعي في مثل هذا اليوم، ليعيد للأرض كرامتها وللفلاح طمي أجداده.واليوم، في سبتمبر 2026، نناقش كيف تحول الفلاح من “صاحب الأرض” إلى “مستأجر هارب” من فواتير كارت الفلاح الذكي، وأسعار التقاوي التي تقفز في السوق السوداء قفزات أسرع من الأرانب! حيث تخطى سعر شيكارة اليوريا الحر في السوق الموازية حاجز ال 1000 جنيه، في حين لا تزال الجمعيات تصرف حصصا “مقننة” لا تكفي رية واحدة.■يقولون في المؤتمرات والبيانات الرسمية: “الفلاح هو عماد الأمن الغذائي للمحروسة، ونحن ندعمه بكل قوة”.وطبعا هذا صحيح تماما على الشاشات.. لأن “الدعم” في قواميسنا المعاصرة نسخة مطورة اسمها “التمكين الرقمي والتسعير الاسترشادي”.. نفس العطش، بس بقناة ري مختلفة.■الحكومة تدافع عن سياستها بالقول إنها رفعت سعر توريد إردب القمح إلى 2200 جنيه لدعم الفلاح؛ والرد القانوني والاقتصادي هنا يبطل مفعول هذا الادعاء؛ فالحكومة تتجاهل المادة 29 من الدستور المصري التي تلزم الدولة بشرائه “بما يحقق هامش ربح عادل للمزارع”. فأين العدالة ومعدلات التضخم السنوية وأسعار تقاوي ومستلزمات الإنتاج قفزت بنسب تتراوح بين 40% إلى 60%؟ ما تدفعه الحكومة باليمين كثمن للمحصول، تسحبه باليسار كفواتير تشغيل وكهرباء للري، ليصبح السعر الرسمي المعلن مجرد آلية محاسبية لجباية عرق الفلاح وتغطية عجز الموازنة على حسابه.■المواطن البسيط في المدينة يسمع كلمة “عيد الفلاح” فيتذكر أغاني شادية والأوبريتات الريفية الدافئة.والفلاح في الغيط يسمع كلمة “جمعية زراعية” فيشعر بمغص كلوي، لأنها تعني باختصار: “الكيماوي ناقص، وتعال بكره”.وحين توضع الكلمتان في جملة واحدة، يرفع الفلاح يديه للسماء ويقول: “مفيش فايدة، اقلع الجلابية والبس قميص وبنطلون واشتغل على توكتوك”.وهذه أخطر مراحل الزراعة: مرحلة “الهجرة الزاحفة” من الطين إلى الأسفلت، والتي تفسر جزئيا تراجع مساحات زراعة المحاصيل الزيتية والأعلاف لصالح أنشطة غير منتجة.■العبقرية الكبرى تتجلى في تسويق الأزمات؛ يقولون إن أسعار المحاصيل الاستراتيجية كالقمح وقصب السكر تحدد ب “أسعار مجزية” للمزارعين.عجيب! كيف تكون مجزية وتكلفة شيكارة السماد والري تبتلع ثمن المحصول قبل أن يخرج من باطن الأرض؟إننا نطلب من الفلاح أن يزرع بالخسارة، ثم نتعجب لماذا يبيع أرضه “قطع مباني” ويهرب!■وبعيدا عن كاهل الحكومة الإداري، يواجه القطاع الزراعي تحديات هيكلية مرعبة، وفي مقدمتها معضلة ندرة المياه التي تفرض تقليص مساحات المحاصيل الشرهة كالأرز، بالإضافة إلى كارثة “تفتيت الحيازات الزراعية” حيث تحولت الأراضي بفعل المواريث إلى رقع قزمية تقل عن فدان لكل أسرة، مما يعوق استخدام الميكنة الحديثة ويرفع تكلفة الإنتاج بنسبة 35% مقارنة بالمساحات المفتوحة. هذه تحديات قومية مزمنة، لكن مواجهتها لا تكون بفرض عقوبات على الفلاح، بل بتقديم حلول ابتكارية لا تتركه وحيدا في مواجهة الطبيعة والبيروقراطية معا.■الحديث عن غياب الحلول لعقدة الزراعة المصرية هو تكاسل عقول؛ فبدلا من ترك الفلاح فريسة لتجار السوق السوداء وغلاء مستلزمات الإنتاج، تملك الدولة مسارات اقتصادية شديدة الوضوح:كتفعيل حقيقي لمنظومة “الزراعة التعاقدية” بضمان هامش ربح عادل للمحاصيل قبل زراعتها، وإعادة إحياء دور الإرشاد الزراعي الميداني، والتوسع في مصانع الأسمدة المحلية التابعة للدولة لضمان ضخها مباشرة للجمعيات دون وسيط، مع تقديم قروض ميسرة حقيقية “صفرية الفائدة” لشبكات الري الحديث لتقليل هدر المياه، وحوافز قانونية لتشجيع “التعاونيات الزراعية المجمعة” للتغلب على أزمة تفتت الحيازات.■عم بهنسي، وهو يلم فؤوسه مع غياب الشمس، نظر إلى ترعة مبطنة جافة وقال عفويا:”يا أستاذ، الأرض دي زي العرض.. الجوع يعضنا وما نبيعهاش لأجل قرشين، بس هما يرحمونا من الديون، وإحنا نأكل البلد دي شهد.”■وسط زحمة احتفالات سبتمبر والبيانات الحكومية المنمقة، تظل كلمات العجوز الأسمر هي المعادلة الحقيقية الوحيدة:الأمن الغذائي لا يستورد بالدولار من وراء البحار.. الأمن الغذائي يزرع في طين السمرة، ويصان بعرق الفلاح الذي لا يحتاج إلى خطابات، بل يحتاج إلى “شيكارة سماد” بسعر عادل، وفأس لا ينكسر.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس