يوسف عبداللطيف يكتب: ورقة البنكنوت المذبوحة.. مية جنيه بتشتري فكة بس

الصوت طلع من عربية “التوك توك” الواقفة قدام باب مكتبة صغيرة في العاصمة، الساعة تجاوزت التاسعة مساء والدنيا لسه زحمة زي أول يوم عيد: “يا بابا أنا عايزة كشكول تاني.. ده اتكسر”. البنت الصغيرة ماسكة كشكول جديد في إيدها، وأبوها واقف قدام الكاشير بيعد فكة مش موجودة، وعينه في الفاتورة كأنه بيقرا حكم إعدام. الراجل ده مش بخيل، ده بس اكتشف إن “الشنطة والكتب والزي” بقوا يسووا مرتب أسبوعين، وأن المائة جنيه في زماننا لم تعد ورقة نقود، بل أصبحت مجرد تذكرة عبور باهتة لا تقوى على مواجهة “سيرك الأسعار”.ومع انطلاق الأيام الأولى للدراسة، يقف أولياء الأمور أمام واقع حسابي مرير يكشف أن العملة المحلية فقدت ما يقارب 90% من قوتها الشرائية؛ حيث تثبت الأرقام المجردة أن الـ 100 جنيه اليوم تعادل في قيمتها الفعلية نحو 11 جنيها فقط من قوة عام 2010 الشرائيةلكن فجأة، تحول رصد هذا التشوه الهيكلي إلى مجال للنكران، وخرج جهابذة البيانات ليعلمونا فنون التعايش مع الأزمة بالمسكنات والوعود الموسمية■يقف (عاشور العايق) متكئا على عصاه البلوطية متمتما بلسانه السياسي العتيق: «قديما كنا ندخل المدارس الحكومية بالمجان لنخرج علماء وقادة.. والنهاردة الترزية بيمرروا وعود التطوير الرقمي، وجيل (السبوبة التعليمية) بيفصل أسعار الكتب والمستلزمات بليل لتتحول المجانية الدستورية القديمة إلى مجرد حبر دفتري بارد مدفوع الثمن بالكامل من أقوات الغلابة!».أبو مائة جنيه قديما كان بطلا يحمي ميزانية الأسرة، واليوم في طابور المدارس أصبح مجرد باقي فكة لا يشتري علبة ألوان■يطل (عبده مشتاق) بوجه مألوف في رصد الكاميرات وشغوف بالمنابر، واقفا وسط فناء إحدى المدارس المكتظة ليصيح بملء فيه: «أنا الذي رصد الجاهزية التامة للمؤسسات التعليمية، وأنا حارس الهيكل التنظيمي والمنوط بي إلقاء خطب الانضباط وتوزيع كراسات الدعم أمام الوفود الإعلامية لتخليد بدء العام الدراسيالمنظومة تسير برؤيتي الثاقبة خلف الميكروفونات، والكثافة مجرد تحد لوجستي سنعبره بالصبر الميداني!».مشتاق يرى الفصول التي تخطت حاجز الكثافات كمشهد احتفالي لالتقاط الصور، ونسي أن التحصيل الدراسي يحتاج مقاعد لآدمية الطلاب لا منصات لخطب الوجاهة.■يخرج (مسعد بيه ترزي اللوائح) من جيبه ببيان الجاهزية متشدقا برطانته الإدارية الجافة: «مواجهة العجز الحاد في أعداد المعلمين يقتضي تشكيل لجان نوعية وتعديل البنود التنظيمية لدراسة أثر الحصص التطوعية في توازن الموازنة العامة، فالأزمات الهيكلية في كتالوج الترزية تدار بالقرارات الفوقية والمسكنات المؤقتة لامتصاص الجدل الشارع».العبقرية الإدارية لا تحتاج لخطط ترقيع القوانين، ومن يظن أن الفصول الساخنة تدار بنظام سد العجز بالقطعة، لم يقرأ أن التعليم يبدأ من كرامة المعلم وأجره العادل.■يمر (عم بهنسي الفلاح) بجلبابه الأسمر، يبسق على الأرض بغلظة الطين الصادقة وينظر للكتب الخارجية المرصوصة على الأرصفة قائلا: «كنا بنقيس قورة الفدان بالإنتاج والقمح، والنهاردة بنقيس طول السنة الدراسية بطول فواتير الدروس والسبوبة اللي بتطير وتتبخر بمجرد ما العيال يدخلوا الامتحانات، هما يعشقون الكلمات البراقة ع الشاشات، وإحنا في الغيط بنبيع المحصول قبل ما يطلع عشان نشتري شنطة مدرسة وكتابين!».المواطن البسيط يفهم فصاحة الواقع بالفطرة، بينما هواة المنابر يبيعون الأوهام فوق كراسي النفوذ والتفريط.■يستشيط (الحاج فهيم منظرة) غضبا وهو يحرك خواتمه الذهبية في كفه المرتجف، متأملا ميزانيات الصيانة ومجالس الآباء الصورية: «مجالس الشورى بالمدارس بقت يفط كرتون ملونة عشان نلم التبرعات ونغطي عجز الإمكانيات اللوجستية ونثبت الكراسي الوجاهية، هما بيفضلوا تسيير الأمور بعقلية المجاملات الفوقية، والنتيجة واقع مرير بيسحب من جيب المواطن ملايين الجنيهات ويسقط السيستم الرقمي في أول يوم دراسة!».تراجع القوة الشرائية للعملة كشف عورة الوعود العائمة، وحول التعليم المجاني إلى ممر إجباري للجباية العشوائية.■تتحدث (الست صابحة المايسترو) معلمة اللغة العربية التي تدرس لخمسة وأربعين تلميذا في حجرة اتصممت أصلا لثلاثين، لتقول لزميلاتها بفخر غريب مكسور: «أنا مش بدرس، أنا بقيت دلوقتي مايسترو فرقة كورال إجبارية! الكثافة بقت أمر واقع بنعالجه بـ (الفوتوشوب الإداري) ونقل مكاتب المديرين لغرف أصغر عشان نوجد مساحة للطلبة بدل ما نبني فصول حقيقية!».الضحكة الفخورة في طابور الصباح تخفي تنهيدة مدفونة تحت الطباشير، والحلول الإدارية الجبارة تختزل عجز الموازنة اللوجستية في حكاية تضامن صورية لا تسمن ولا تغني من جوع.■يشرح (مفروم أفندي صابر) ولي الأمر من الطراز القديم، لجاره نظرية اقتصادية مبتكرة وعينه على رفوف المكتبات: «الكتاب الخارجي يا سيدي بقى زي الدولار، بيتغير سعره من الصبح للضهر، وإحنا بنمول مشروع استثماري لناشر مجهول فاكرينه واجب مقدس!».المستهلك البسيط يواجه سبوبة مالها آخر ولا أول تأكل من جيبه واحدة تلو الأخرى، بينما (الأستاذ حلبة الحصالة) مدرس العلوم اللي ساب المدرسة من سنتين ليفتح صالة امتحانات في شقة مؤجرة يصيح بثقة الخبير: أنا المكمل الطبيعي للمدرسة! ناسي إنه هو الأزمة نفسها لابسة روب أكاديمي.وتظل معادلة التعليم قائمة ببساطة مذهلة تحترم وعي الأمة؛ الكل بطل في حكايته؛ مفروم أفندي صابر بطل تضحية، والست صابحة المايسترو بطلة صبر، والمسؤول بطل إنجاز دفتري، والمسترزق بطل علم مدفوع الأجر. وحين يدق جرس الطابور وتنكشف الأرقام، يترك “ترزي اللوائح” و”عبده مشتاق” ليتجاذبوا أطراف الحديث خلف المنصات ويلتقطوا صور التكريم، بينما تطبخ الأيدي الخشنة بـ (الورقة الفاقدة لقيمتها) معركة الصمود على أرصفة المكتبات، لتظل البنت الصغيرة التي بتقلب في كشكولها الجديد تسأل سؤالا بريئا يوجع أكثر من أي مقال: “يابا… ليه الكشكول أغلى من عروستي؟”.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

من باب المندب إلى شبكة الشراكات.. كيف أعادت الأزمة تشكيل الخيارات الاستراتيجية السعودية؟

بقلم: مصطفى محمد القرشيآخر تحديث وتحليل للمعلومات: حتى الساعة 20:00 من يوم 19 سبتمبر 2026، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *