أخبار عاجلة

تحليل الإستخبارات الصينية على تصريحات الرئيس السيسى بشأن معايير تولى مسؤولية قيادة الدولة المصرية


تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تُولى مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية والأمنية الصينية (لا سيما التابعة لجيش التحرير الشعبي والمعاهد الإستخباراتية المرتبطة بوزارة أمن الدولة الصينية) إهتماماً بالغاً بالخطابات والتحركات الإستراتيجية المصرية للرئيس المصرى “عبد الفتاح السيسى” وقادة المؤسسة العسكرية المصرية ولاسيما الخطاب الأخير للرئيس “السيسى” يوم السبت الموافق ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ فى الأكاديمية العسكرية المصرية. حيث حظيت تصريحات الرئيس المصرى “عبد الفتاح السيسى” خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الكليات العسكرية والدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية المصرية بإهتمام ملحوظ داخل مراكز الفكر الإستراتيجي والدوائر الأمنية والدفاعية الصينية. وتُحلل هذه الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والعسكرية والسياسية الصينية هذه الإشارات السياسية الصادرة من القاهرة كجزء من تحول أوسع يربط الإستقرار الداخلى للقوى الإقليمية الكبرى مثل مصر، بصعود “الجنوب العالمى” والتحرر تدريجياً من أدوات الهيمنة الغربية والأمريكية. وتتلخص القراءة التحليلية لهذه الدوائر الصينية لتصريحات الرئيس “عبد الفتاح السيسى” خلال حفل تخرج دفعات الكليات والأكاديمية العسكرية المصرية (والتى أكد فيها على معايير القيادة، وشدد على إقفال الباب أمام أى “مغرض أو خائن أو مجرم” لإدارة الدولة المصرية)، وتحليل الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والسياسية الصينية لمغزى علاقتها بـ “إستقلالية القرار فى الجنوب العالمى والتحرر من الهيمنة الغربية والأمريكية”، ويمكن تفكيك هذا التحليل وفقاً للرؤية الإستراتيجية الصينية، عبر المحاور التالية:
– أولاً: تحليل الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية والعسكرية والسياسية الصينية لمغزى تشديد الرئيس “السيسى” على إستبعاد “المغرض والخائن والمجرم” من قيادة الدولة المصرية
١) ترى الدوائر الأمنية الصينية أن تأكيد الرئيس “السيسى” على وضع معايير صارمة تمنع تولى أى “مغرض أو خائن أو مجرم” المسؤولية، يمثل إعادة الإعتبار لمفهوم “مناعة الدولة وإستمراريتها” فى مواجهة مشاريع التفكيك الخارجية أو الإضطرابات الداخلية.
٢) فمن منظور بكين، فإن إعداد كوادر قادرة على القيادة المصرية بمعايير موحدة وصارمة لا تحابى أحداً، يهدف إلى حماية المؤسسات السيادية من الإختراق السيادى أو الإنهيار الهيكلى، فالصين تعتبر أن إستقرار القوى المحورية فى الشرق الأوسط مثل مصر، هو صمام الأمان الأساسى لمنع تحول المنطقة إلى بؤر فوضى تستغلها القوى الغربية والأمريكية لإعادة فرض نفوذها.
– ثانياً: التماثل بين نهج الأكاديمية العسكرية المصرية مع فلسفة أكاديمية الحزب الشيوعى الصينى
ثمة قراءة إستراتيجية صينية ترى شبهاً وظيفياً كبيراً بين الأكاديمية العسكرية المصرية فى نسختها الحديثة لتأهيل النخب القيادية للجهاز الإدارى للدولة، وبين المدرسة المركزية للحزب الشيوعى الصينى:
)Central Party School):
١) الدعوة لترسيخ عقيدة وطنية موحدة: تتركز فلسفة الأكاديمية الصينية التابعة لمدرسة الحزب الشيوعى الصينى، على تحصين الكوادر ضد الإختراق الفكرى، وضمان ولاء مطلق للدولة وللمصلحة القومية العليا، بعيداً عن تغليب المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة، وهو ذاته ما تدعو إليه فلسفة الأكاديمية العسكرية المصرية.
٢) ترسيخ معايير المؤسسية والإنضباط: ترى مراكز الفكر فى بكين أن توجه مصر نحو إخضاع القيادات الإدارية والمدنية المستقبلية لفترات تأهيل داخل مؤسسة عسكرية يعكس تبنىى”نهج الإنضباط الإدارىىالصارم” الذي دافعت عنه الأدبيات الآسيوية التاريخية، مثل (التراث الكونفوشيوسي) لضمان كفاءة ونزاهة الحكام والمسؤولين.
– ثالثاً: الإرتباط بإستقلالية الجنوب العالمى والتحرر من الهيمنة الأمريكية
يربط الخبراء الصينيون بين فرض هذه المعايير الوطنية فى كلاً من مصر والصين، وتأصيل سيادة الدولة، وبين تعزيز إستقلالية قرار الجنوب العالمى، من خلال:
١) سد ثغرات “التدخل الناعم”: تؤمن الصين بأن الولايات المتحدة والقوى الغربية غالباً ما تستغل النخب الإدارية أو السياسية الضعيفة أو “الموالية للخارج” لفرض أجندات سياسية وإقتصادية تخدم الهيمنة الغربية والأمريكية على بلدان الجنوب العالمى. وحين تشترط الدولة المصرية والصينية معايير وطنية قاسية للقيادة، فإنها تغلق الباب أمام أدوات الضغط الغربية والأمريكية عليها.
٢) التحول نحو محور الشرق: وفقاً للتحليل الإستراتيجى والإستخباراتى الصينى، فإن إستقرار الدولة المصرية بناءً على عقيدة وطنية مستقلة يدفعها تلقائياً نحو تنويع الشراكات الإستراتيجية والإندماج بشكل أعمق مع تكتلات الجنوب العالمى ومحور الشرق، مثل (مجموعة بريكس التي تضم مصر والصين)، وهو ما يضعف القبضة الأحادية الأمريكية على ملفات الأمن والإقتصاد فى الشرق الأوسط وأفريقيا.
– رابعاً: إستدامة استقرار الدولة كشرط مسبق لاستقلالية القرار (الجنوب العالمى)
تنطلق الرؤية الإستراتيجية الصينية من أن “السيادة الوطنية المستقلة” لا يمكن تحقيقها فى بيئة سياسية هشة أو مخترقة، وهذا ما يتضح فى:
١) منع الإختراق الداخلى: ترى الأوساط الأمنية فى بكين أن تشديد الرئيس المصرى “السيسى” على معايير حاسمة للقيادة وإبعاد العناصر المغرضة أو الخائنة هو بمثابة صمام أمان لحماية مؤسسات الدولة من التدخلات الأجنبية.
٢) تطابق العقائد الإستراتيجية: تتقاطع هذه الرؤية مع أدبيات الحزب الشيوعى الصينى التى تعتبر “الأمن السياسى الداخلى وإستقرار القوى الحاملة لبنية الدولة” الأساس الحتمى لمنع إستراتيجيات التغيير القسرى للأنظمة (الثورات الملونة) التى تدعمها القوى الغربية والأمريكية، لزعزعة إستقرار مناطق الجنوب العالمى.
– خامساً: مأسسة القيادة وإعداد الكوادر الوطنية وعلاقتها بفلسفة أكاديمية الحزب الشيوعى الصينى المعنية بتأهيل النخب القيادية للدولة على غرار التجربة المصرية المماثلة
تراقب الدوائر الصينية عن كثب دور الأكاديمية العسكرية المصرية فى إعداد وتأهيل الكوادر وتأمين نقل السلطة القيادية كنموذج تنظيمى مستقر، من خلال:
١) بناء النخبة المصرية ونقل القيادة: يرى المحللون الصينيون أن تأكيد الرئيس السيسى على ضوابط تولى المسؤولية يكرس لمبدأ الحوكمة السيادية القائمة على الفرز المؤسسى والوطنى الصارم.
٢) إعجاب بالنموذج الإدارى المصرى وتشبيهه بالصينى: يعكس هذا النهج المصرى فى نظر بكين تشابهاً مع فلسفة “أكاديمية الحزب الشيوعى الصينى” المعنية بتأهيل النخب القيادية للدولة وفق عقيدة وطنية خالصة لحماية الأمن القومى الصينى على غرار المصرى.
– سادساً: الفك من الهيمنة الأمريكية والغربية فى الشرق الأوسط وأفريقيا
يربط المحللون الصينيون بين إستقرار النواة الصلبة للدولة المصرية وبين قدرتها على قيادة سياسة خارجية متعددة الأقطاب فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، من حيث:
١) التوازن الجيوسياسي: تؤكد القراءات الإستراتيجية الصينية أن وجود قيادة مصرية تضع خطوطاً حمراء ضد الخيانة والإرتهان للمصالح الخارجية يُصعّب على واشنطن والعواصم الغربية إستخدام أوراق الضغط الداخلى لفرض إملاءات سياسية أو إقتصادية.
٢) تعزيز البنية الدفاعية المستقلة: تنظر بكين إلى التوسع الإستراتيجى المصرى فى بناء القواعد العسكرية وتحديث منظومات الدفاع الجوى وتخريج أجيال عسكرية جديدة، بمثابة ركيزة أساسية تعزز من إستقلالية القرار الإقليمى بعيداً عن الفلك الأمريكى.
– سابعاً: الشراكة الإستراتيجية الشاملة مع الصين (التوجه نحو الشرق)
وفقاً لتحليلات مراكز الدفاع الصينية، فإن القيادة المصرية المتمسكة بمفهوم “الدولة الوطنية القوية” تمثل الشريك المثالى لرؤية الصين نحو عالم متعدد الأقطاب، من حيث:
١) دعم التعددية القطبية: يرى الجانب الصينى أن تحصين الجبهة الداخلية المصرية ومؤسساتها القيادية يدفع بالقاهرة نحو عمق أكبر فى تكتلات الجنوب العالمى، مثل توسيع الشراكة عبر تجمع بريكس ومنظمة شنغهاى للتعاون (التى تشارك فيها مصر كشريك حوار).
٢) تأمين الممرات الحيوية للجنوب العالمى: إستقرار مصر وحماية قيادتها من الإختراقات الأمنية، يضمن للصين شريكاً موثوقاً قادراً على حماية الممرات الملاحية الإستراتيجية، مثل (قناة السويس والبحر الأحمر)، وهى شرايين حيوية لمبادرة “الحزام والطريق الصينية” الهادفة لكسر الهيمنة التجارية والإقتصادية الغربية والأمريكية.
وبناءً على التحليل السابق، تخلص الدوائر الإستراتيجية والإستخباراتية والتحليلية فى بكين، إلى أن التجربة المصرية فى تحصين النخب القيادية عبر الأكاديمية العسكرية المصرية، تمثل نموذجاً عملياً للدول الساعية لتأمين سيادتها الوطنية، مما يدعم رؤية الصين المشتركة لـ “عالم متعدد الأقطاب” تقوده دول ذات مؤسسات وطنية راسخة وغير قابلة للإرتهان الخارجى، وهو ما يخدم إستقلالية القرار فى الجنوب العالمى والتحرر من الهيمنة الغربية والأمريكية لصالح الصين ومحور الشرق.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

حسن هجرس:الرئيس السيسي وضع يده على أصل الحكاية.. دولة قوية تبدأ باختيار الرجل المناسب في المكان المناسب

أكد الدكتور حسن هجرس، مساعد رئيس حزب الجيل الديمقراطي وامين عام الحزب بمحافظة الدقهلية، أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *