تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية والمحللة الإستخباراتية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تُشير القراءات التحليلية الصادرة عن مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية الصينية، مثل الأكاديمية الصينية للعلوم الإجتماعية
(CASS)
ومعهد الصين للدراسات الدولية
(CIIS)
إلى أن تصويت البرلمان الأوروبى يوم الأربعاء الموافق ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦، لصالح التشريع الجديد للترحيل الإجبارى للمهاجرين لا يمثل مجرد إجراء قانونى أو أمنى عابر، بل هو إنعكاس لأزمة بنيوية عميقة تضرب منظومة الاتحاد الأوروبى فى قيمها وهيكلها السياسى والإقتصادى والقانونى. وترتكز رؤية مراكز الفكر والدوائر الإستراتيجية والسياسية الصينية، مثل (الأكاديمية الصينية للعلوم الإجتماعية ومعهد الصين للدراسات الدولية) تجاه تصويت البرلمان الأوروبى لصالح التشريع الجديد للترحيل الإجبارى للمهاجرين، على قراءة برجماتية تحلل أبعاد الأزمة البنيوية داخل الاتحاد الأوروبى ذاته وتطرح فى المقابل مقاربة بكين للتنمية والأمن وآليات التعاون بين الجنوب العالمى المعروف بإسم جنوب-جنوب. وفى الوقت ذاته، تحلل الدوائر الإستراتيجية ومراكز الفكر الصينية تشديد القوانين الأوروبية وإقرار مراكز الإحتجاز الخارجية فى أوروبا وإعتماد سياسة الترحيل الإجبارى، بإعتبارها إنعكاساً لعجز مقاربات المركزية الغربية وتجاهلاً للجذور التنموية لأزمات الهجرة. وبدلاً من الحلول البوليسية، تطرح بكين مقاربة بديلة قائمة على مبادرتيدى الأمن والتنمية العالميتين اللتين طرحهما الرئيس الصينى “شى جين بينغ” وتعزيز تعاون جنوب -جنوب لمعالجة مسببات النزوح من جذورها. وتتأسس الرؤية البرجماتية الصينية تجاه هذه الخطوة الأوروبية والحلول الصينية المقترحة، على عدة أبعاد ومقاربات رئيسية:
– أولاً: القراءة والتحليل الإستراتيجى الصينى لأزمة ترحيل المهاجرين واللاجئين من أوروبا بتصويت من البرلمان الأوروبى، وأبعاد الأزمة البنيوية للإتحاد الأوروبى (وفق القراءة الصينية)
١) رؤية الدوائر ومراكز الفكر الصينية لتآكل “النموذج الأخلاقى” الغربى فى مواجهة أزمة اللاجئين والمهاجرين:
ترى الدوائر الصينية أن لجوء أوروبا إلى الترحيل الإجباري وتشديد سياسات اللجوء يُمثّل تراجعاً صريحاً عن شعارات “حقوق الإنسان” والقيم الإنسانية العالمية التى طالما استخدمها الغرب كأداة للضغط السياسي الأخلاقي على الدول الأخرى. هذا التحول يكشف، من وجهة نظر بكين، عن “ازدواجية معايير” براجماتية تظهر عندما تتعارض المبادئ مع المصالح الداخلية.
٢) الرؤية الصينية للصعود السياسى لليمين المتطرف فى أوروبا كأحد أسباب التعامل غير الإنسانى مع قضايا اللاجئين والمهاجرين:
يُحلل الباحثون الصينيون هذا التشريع باعتباره نتاجاً مباشراً للضغوط المتزايدة من أحزاب اليمين المتطرف واليمين المحافظ في أوروبا. وتعتبر مراكز الفكر الصينية أن النخب الحاكمة فى أوروبا أصبحت “رهينة” للمخاوف الإنتخابية المحلية، مما يفرغ السياسات الأوروبية المشتركة من طابعها الليبرالى التقليدى ويدفعها نحو الإنكفاء القومى.
٣) رؤية بكين لأسباب العجز الإقتصادى والديموغرافى فى أوروبا وعلاقتها بأزمة المهاجرين واللاجئين إليها:
ترى بكين أن الأزمة ليست أزمة تدفق بشرى فحسب، بل هى إنعكاس لعجز الهياكل الإقتصادية الأوروبية عن دمج المهاجرين والإستفادة منهم لحل أزمة الشيخوخة الديموغرافية، وذلك بسبب تباطؤ النمو الإقتصادى، وإرتفاع معدلات التضخم، والضغوط على نظم الرفاه الإجتماعى.
٤) ربط الدوائر ومراكز الفكر الصينية لأزمة الهوية والصعود اليمينى فى أوروبا وبين الإلتزامات الإنسانية الأوروبية المعلنة تجاه قضايا المهاجرين:
ترى الدوائر الصينية أن تصويت البرلمان الأوروبى بأغلبية ٤١٨ صوتاً مقابل ٢١٨ لتشديد القوانين بشأن قضايا اللجوء اللجوء والهجرة، هو إنعكاس مباشر للضغوط الشعبية والمظاهرات التى عمت العواصم الأوروبية. تعتبر بكين هذا التحول مؤشراً على تصدع “النموذج الليبرالى الغربى” وعجزه عن تحقيق التوازن بين الإلتزامات الإنسانية المعلنة وبين الإستقرار الداخلى والنمو الإقتصادى.
٥) التحليل الإستراتيجى الصينى لماهية الإنكشاف الأخلاقى والسياسى فى أوروبا وإزدواجية المعايير تجاه قضايا اللاجئين:
تعتبر النخب السياسية الصينية أن لجوء أوروبا إلى خيارات متشددة مثل إنشاء “مراكز ترحيل”
(Return Hubs)
خارج حدود الإتحاد الأوروبى، يعكس إزدواجية معايير واضحة، حيث يمارس الغرب ضغوطاً حقوقية مستمرة على الدول النامية (بما فيها الصين) بينما يلجأ لتدابير إستثنائية قاسية عند تعرض أمنه الداخلى للإهتزاز.
٦) الربط الإستراتيجي الصينى بقضايا أزمة اللاجئين والمهاجرين فى أوروبا وعلاقتها بملفات التجارة والسياسة:
تأتى هذه الرؤية الصينية الحذرة بالتزامن مع توترات سياسية وإقتصادية أخرى مع بروكسل، حيث تبنى البرلمان الأوروبى مؤخراً تقارير حادة تنتقد بكين تجارياً وسياسياً. لذلك، تنظر الدوائر الصينية إلى الأزمة الأوروبية الداخلية كفرصة لإثبات أن “النموذج الغربى” ليس النموذج الأمثل لإدارة التنمية المجتمعية.
– ثانياً: الحلول الصينية المقترحة لأزمات الهجرة واللجوء لأوروبا والمقاربة البديلة لبكين (الأمن والتنمية)
تقدم مراكز الفكر الصينية عبر أدبياتها السياسية والاقتصادية، مثل رؤيتها لـ (مبدأ التعاون بين الجنوب-الجنوب) نموذجاً بديلاً يعتمد على الفلسفة الصينية الحاكمة. ففى مقابل ما تراه الدوائر الصينية “معالجة أمنية قاصرة وعنيفة” من جانب أوروبا، تطرح مراكز الفكر فى بكين المقاربة الصينية القائمة على معادلة “الأمن عبر التنمية”:
١) عرض مبادرة التنمية العالمية للصين كحل بديل لأزمة الهجرة واللجوء لأوروبا:
(GDI):
تؤكد الرؤية الصينية أن أزمة الهجرة واللجوء هى “عرض” لمرض أساسى وهو الفقر، غياب الاستقرار، والحروب في دول المصدر (الشرق الأوسط وإفريقيا). وتطرح الصين مبادرتها للتنمية كوسيلة لمعالجة الجذور الاقتصادية للأزمة عبر بناء البنية التحتية، وتوفير فرص العمل في الدول النامية، مما يغني مواطنيها عن خوض غمار الهجرة غير الشرعية.
٢) إقتراح مبادرة الأمن العالمى الصينية كمقاربة بديلة وفعالة لحل قضايا اللاجئين والمهاجرين لأوروبا:
(GSI):
ترى بكين أن التدخلات العسكرية الغربية السابقة فى الشرق الأوسط وإفريقيا هي المسؤول الأول عن موجات اللجوء. لذا، تقدم الصين مقاربة قائمة على “الأمن المشترك والمستدام” واحترام سيادة الدول، بدلاً من سياسات تغيير الأنظمة التي تؤدي إلى انهيار الدول وتدفق اللاجئين.
٣) الطرح الصينى لكيفية علاج أزمة الهجرة واللجوء من الجذور فى أوروبا (طرح مبادرة الصين للأمن والتنمية العالمية):
ترى بكين أن أزمة الهجرة لا يمكن حلها عبر مراكز الترحيل أو الأسوار الأمنية. ويتلخص الحل المقترح صينياً فى “التنمية السلمية معالجةً للجذور”، أى ضخ إستثمارات حقيقية وبناء بنية تحتية فى الدول المصدرة للمهاجرين فى (أفريقيا والشرق الأوسط) عبر مبادرة الحزام والطريق الصينية، لخلق فرص عمل تمنع تدفقات الهجرة من الأساس.
٤) دعوة الدوائر ومراكز الفكر الصينية لتعزيز الإستقرار فى أوروبا عبر التخطيط المركزى الصارم لحل أزمة اللاجئين والمهاجرين إليها:
تقارن الدوائر الصينية دائماً بين الإضطرابات والمظاهرات العنيفة فى أوروبا وبين نموذج الإستقرار القائم على التخطيط المركزى طويل الأجل والتحكم السياسى الفعال لإدارة الشؤون العامة. وتقترح بكين على شركائها الدوليين تبنى مقاربات تنموية وطنية قوية تحمى نسيج الدولة وتمنع الإنفلات المجتمعى.
٥) رفض الصين لنهج التسييس الأوروبى لقضايا اللاجئين والمهاجرين والتعاون الإقتصادى المتكافئ مع بلدان اللجوء:
تدعو الصين إلى الكف عن إستخدام ملفات حقوق الإنسان والمهاجرين كأدوات للضغط السياسى والتحول بدلاً من ذلك نحو تفعيل إتفاقيات اقتصادية شاملة ومتكافئة تضمن حقوق الدول المستضيفة ودول المنشأ على حد سواء، بعيداً عن صراعات الأجنحة السياسية (اليمين واليسار) التى تشل فاعلية القرار الأوروبى.
– ثالثاً: رؤية الدوائر الإستراتيجية الصينية لآليات التعاون بين دول “الجنوب العالمى” (جنوب – جنوب) فى مواجهة التعامل الأوروبى تجاه قضايا المهاجرين واللاجئين
تستغل الدوائر الإستراتيجية الصينية التشدد الأوروبى تجاه المهاجرين (الذين ينتمى أغلبهم للجنوب العالمى) لتعزيز السردية الصينية الداعية إلى تضامن دول الجنوب:
١) طرح الصين كشريك بديل وموثوق: تُبرز مراكز الفكر الصينية أن بكين تتعامل مع دول إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية على أساس “المساواة والمنفعة المتبادلة” دون فرض شروط سياسية أو ثقافية، على عكس المقاربة الأوروبية المشروطة.
٢) تفعيل أطر “جنوب-جنوب” فى مواجهة التعامل الأوروبى غير الإنسانى مع قضايا اللاجئين والمهاجرين: تدعو الرؤية الصينية إلى تعزيز التعاون عبر آليات، مثل مجموعة بريكس
(BRICS)
ومنتدى التعاون الصينى الأفريقى
(FOCAC)
ومبادرة الحزام والطريق الصينية. والهدف هو تمكين دول الجنوب العالمى من بناء قدراتها الذاتية وتحقيق إستقلالها الإقتصادى، مما يمنحها موقِعاً أقوى فى مواجهة السياسات الغربية التقييدية والمجحفة بحق مواطنيها والمهاجرين واللاجئين إليها.
وبناءً على التحليل الإستراتيجى السابق لفهم موقف الصين ومراكزها الفكرية ودوائرها التحليلية والإستراتيجية من قضايا التعامل الأوروبى مع ملف قضايا اللجوء والمهاجرين، ترى مراكز الفكر الصينية أن قرار البرلمان الأوروبى بطرد اللاجئين هو شهادة عملية على تراجع النفوذ المعيارى لأوروبا، وفرصة دبلوماسية وإستراتيجية لبكين لترسيخ قيادتها لكتلة “الجنوب العالمى” عبر تقديم نموذج تنموى بديل يتجاوز النظرة الأمنية الغربية الضيقة.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس