هل تعلن إيران وفاة الدولار الأمريكي ؟

بقلم / ناصر السلاموني

لم يكن الدولار الأمريكي مجرد عملة وطنية لدولة بعينها، بل تحول منذ منتصف القرن العشرين إلى أحد أهم أدوات النفوذ الاقتصادي والسياسي في العالم. فمع اتساع التجارة الدولية وتزايد الاعتماد على المؤسسات المالية العالمية، أصبح الدولار أشبه باللغة المشتركة للاقتصاد العالمي، تُسعَّر به الطاقة والسلع الاستراتيجية، وتحتفظ به البنوك المركزية كعملة احتياط رئيسية، وتُدار عبره نسبة كبيرة من المعاملات المالية الدولية. غير أن التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، والصراع الدولي الدائر بين القوى الكبرى، أعادت إلى الواجهة سؤالاً طالما طُرح في أوقات التحولات الكبرى: هل يقترب عصر هيمنة الدولار من نهايته؟

تعود جذور الدولار الأمريكي إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين أقر الكونجرس الأمريكي قانون سك العملة عام 1792، الذي جعل الدولار العملة الرسمية للولايات المتحدة وربطه آنذاك بالفضة والذهب لضمان استقرار قيمته . ومع نهاية القرن التاسع عشر اتجهت الولايات المتحدة إلى اعتماد معيار الذهب رسمياً بموجب قانون معيار الذهب لعام 1900، فأصبح الدولار قابلاً للتحويل إلى كمية محددة من الذهب، وهو ما عزز الثقة الدولية بالعملة الأمريكية في تلك المرحلة من التاريخ الاقتصادي العالمي.

غير أن التحول الحقيقي في مكانة الدولار جاء بعد الحرب العالمية الثانية، عندما اجتمعت الدول الصناعية الكبرى في مؤتمر بريتون وودز عام 1944 في الولايات المتحدة، حيث تم الاتفاق على إنشاء نظام نقدي دولي جديد يقوم على ربط معظم عملات العالم بالدولار، وربط الدولار نفسه بالذهب بسعر ثابت قدره 35 دولاراً للأونصة الواحدة. وبهذا القرار أصبح الدولار العملة الاحتياطية الرئيسية في النظام المالي العالمي، كما أنشئت مؤسسات مالية دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي لدعم هذا النظام النقدي الجديد

استمر هذا النظام حتى بداية السبعينيات، حين أعلنت الولايات المتحدة في عام 1971 قراراً تاريخياً بفك ارتباط الدولار بالذهب فيما عُرف اقتصادياً بـ”صدمة نيكسون”. وقد جاء هذا القرار نتيجة الضغوط المالية المتزايدة التي واجهها الاقتصاد الأمريكي بسبب ارتفاع الإنفاق العسكري خلال حرب فيتنام، إضافة إلى العجز المتزايد في الميزانية وميزان المدفوعات . ومنذ تلك اللحظة دخل العالم مرحلة العملات الورقية غير المغطاة بالذهب، المعروفة اقتصادياً باسم Fiat Money، حيث أصبحت قيمة الدولار تعتمد في الأساس على قوة الاقتصاد الأمريكي والثقة في مؤسساته المالية.

ولم يلبث النظام المالي العالمي أن شهد تحولاً آخر بالغ الأهمية مع نشوء ما عُرف بنظام “البترودولار” في سبعينيات القرن الماضي، حين جرى التوافق بين الولايات المتحدة وعدد من الدول المنتجة للنفط على تسعير النفط العالمي بالدولار. وقد أدى هذا الترتيب إلى زيادة الطلب العالمي على العملة الأمريكية، لأن جميع الدول التي تحتاج إلى استيراد الطاقة أصبحت مضطرة إلى الاحتفاظ بالدولار لإتمام معاملاتها النفطية .

ورغم هذه الهيمنة الطويلة، لم يتوقف العالم عن البحث عن بدائل محتملة للنظام المالي القائم. فقد ظهر اليورو عام 1999 كعملة موحدة للاتحاد الأوروبي، ممثلاً إحدى أكبر الكتل الاقتصادية في العالم ، بينما بدأت الصين خلال العقدين الأخيرين في تعزيز استخدام عملتها الوطنية “اليوان” في التجارة الدولية ضمن مبادرة تدويل العملة الصينية وتقليل الاعتماد على الدولار، خاصة في تجارة الطاقة والمواد الخام . كما عاد الذهب إلى الواجهة باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الأزمات المالية، في حين ظهرت العملات الرقمية كعامل جديد قد يغير ملامح النظام المالي العالمي في المستقبل.

وفي خضم التوترات الدولية الراهنة، برزت تطورات لافتة في منطقة الخليج العربي، حيث تشير تقارير إعلامية دولية إلى أن إيران تدرس خيارات تتعلق بفرض الدفع بعملات غير الدولار – وعلى رأسها اليوان الصيني – في بعض التعاملات المرتبطة بمرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم (تقارير إعلامية دولية، منها CNN وتقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية). وإذا ما تطورت مثل هذه التوجهات إلى سياسات اقتصادية فعلية، فقد تمثل محاولة لاستثمار الموقع الجغرافي الحساس للمضيق في إعادة تشكيل بعض قواعد التجارة الدولية في مجال الطاقة.

إن هذه التطورات تعكس حقيقة أن الصراع الدولي في القرن الحادي والعشرين لم يعد مقتصراً على الجيوش والأسلحة، بل أصبح يمتد إلى ما يمكن وصفه بحروب العملات والنفوذ المالي. فالولايات المتحدة تنظر إلى هيمنة الدولار باعتبارها أحد أعمدة قوتها الاستراتيجية في العالم، في حين تسعى قوى صاعدة مثل الصين وروسيا إلى بناء نظام اقتصادي أكثر تعددية يقلل من الاعتماد على العملة الأمريكية.

ومع ذلك، فإن الحديث عن “وفاة الدولار” في الوقت الراهن قد يكون أقرب إلى التعبير السياسي منه إلى الواقع الاقتصادي، إذ لا يزال الدولار يمثل النسبة الأكبر من احتياطيات النقد الأجنبي في العالم، كما أنه العملة الرئيسية في تسعير السلع الاستراتيجية والتجارة الدولية (صندوق النقد الدولي – بيانات الاحتياطيات العالمية COFER). لكن المؤكد أيضاً أن النظام المالي العالمي يشهد تحولات تدريجية قد تقود في المستقبل إلى نظام نقدي أكثر تنوعاً وتعدداً في مراكز القوة الاقتصادية.

وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن العالم يقف بالفعل على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ المالي الدولي، حيث لم تعد المنافسة بين الدول تدور فقط حول الحدود والجغرافيا، بل أصبحت تدور أيضاً حول العملة التي ستقود الاقتصاد العالمي في العقود القادمة. ويبقى السؤال مفتوحاً أمام المستقبل: هل سيظل الدولار سيد النظام المالي العالمي كما كان طوال العقود الماضية، أم أن العالم يتجه ببطء نحو نظام نقدي دولي متعدد الأقطاب؟

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

التدين الافتراضي.. حين يتحول رمضان من ‘خلوة’ إلى ‘تريند'”

بقلم د – قياتي عاشور مع دخولنا في النصف الثاني من شهر رمضان المبارك، واقترابنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *