تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تمثل زيارة الرئيس “عبد الفتاح السيسى” إلى تنزانيا خطوة محورية لتعزيز التواجد المصرى بشرق أفريقيا وتأمين خطوط التجارة، مما يدعم الأهداف الإستراتيجية لمبادرة الحزام والطريق الصينية فى القارة الأفريقية بشقيها العسكرى والبحرى على وجه الخصوص. وتعزز الإستثمارات الصينية فى موانئ شرق أفريقيا وتنزانيا، مثل (ميناء دار السلام) بتنزانيا، المصالح الإستراتيجية المصرية عبر تأمين طرق تجارية بديلة، لتعزيز النفوذ المصرى فى العمق الأفريقى، وتفعيل التعاون المشترك، حيث إتفقت مصر وتنزانيا على تطوير الموانئ والربط البحرى بين الجانبين.
وتتقاطع هذه الزيارة للرئيس “السيسى” لتنزانيا مع المصالح الصينية، عبر عدة محاور إستراتيجية، منها (تطوير الموانئ والمحاور اللوجيستية)، حيث تساهم كلاً من مصر والصين بشكل مباشر فى خطط تطوير ميناء “دار السلام” التنزانى الإستراتيجى، الذى يمثل نقطة ربط بحرية هامة للبضائع الصينية على الساحل الشرقى لأفريقيا ومسار “طريق الحرير البحرى والعسكرى الصينى”. ومن أجل ذلك، تدعم الجهات والدوائر الإستخباراتية والعسكرية والدفاعية والأمنية فى الصين الإقتراح المصرى لإنشاء (ممر متعدد الوسائط)، حيث طرحت مصر مقترحاً لإنشاء خط ملاحى مباشر بين مينائى “سفاجا المصرى” و “دار السلام التنزانى”، مما يخلق ممراً لوجستياً متكاملاً يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندى، ويسهل وصول التجارة (بما فيها الصينية المتدفقة عبر مصر) إلى عمق أفريقيا. وهو ما يعزز التعاون المصرى الصينى مع تنزانيا لدعم (البنية التحتية للطاقة التنزانية)، عبر تعزيز التعاون فى قطاع الطاقة عبر إشراف تحالف شركات مصرية على بناء “سد جوليوس نيريري”، الذى يوفر الإستقرار الكهربائى اللازم لدعم مشاريع البنية التحتية العملاقة الممولة من الصين فى تنزانيا، وهو ما يسهل إستراتيجية (التكامل والتأمين الإقليمى بالنسبة لمصر وللصين من خلال محور تنزانيا)، وهنا تسعى كلاً من مصر والصين، من خلال ثقلهما السياسى والإقتصادى، إلى تعزيز الإستقرار فى دول حوض النيل والقرن الأفريقى، وهى بيئة أمنية حيوية تعتمد عليها الصين لحماية إستثماراتها وطرق التجارة الخاصة بطريق الحرير العسكرى والبحرى. خاصةً مع حرص الصين على بناء الموانئ الكبرى فى تنزانيا ضمن مبادرة الحزام والطريق لتأثيرها القوى على تدفق حركة التجارة الإقليمية وتأمين سلاسل التوريد والإمداد العالمية بالنسبة للصين.
ومن هنا، نجد بأن الزيارة الرسمية للرئيس المصرى “عبد الفتاح السيسى” إلى تنزانيا فى يوليو ٢٠٢٦، قد عززت التعاون الإقتصادى واللوجستى، خاصةً مع إبداء مصر والصين إستعدادهما سوياً للمشاركة فى توسعة ميناء دار السلام التنزانى وإنشاء خط ملاحى يربط ميناء سفاجا المصرى به. وتتقاطع تلك التحركات المصرية فى شرق أفريقيا مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية لتطوير المحاور اللوجيستية، حيث تساهم مصر والصين بشكل مباشر فى خطط تحويل العاصمة التنزانية “دار السلام” إلى مركز محورى لربط الدول الحبيسة البعيدة عن مياه المحيطات والبحار والمجاورة بشبكات النقل متعددة الوسائط، مما يدعم خطوط التجارة الممتدة عبر المحيط الهندى. وهذا يسهل الربط البحرى المباشر بين تنزانيا مع المصالح المصرية والصينية. خاصةً وأن المقترح المصرى يهدف لتدشين خط ملاحى بين سفاجا ودار السلام لخلق ممر تجارى حيوى يخدم تدفقات البضائع ويعزز من حجم التبادل التجارى الأفريقية. وهو ما يعزز الشراكة المصرية الصينية فى البنية التحتية التنزانية والأفريقية، حيث يأتى التركيز المصرى الصينى على الموانئ إمتداداً للنجاحات المصرية الصينية المشتركة فى تنزانيا، وعلى رأسها (مشروع سد جوليوس نيريري لتوليد الطاقة)، والذى تنفذه تحالفات شركات مصرية، مما يعزز البنية التحتية الداعمة للمشاريع التنموية الكبرى.
وهنا نجد بأن زيارة الرئيس المصرى “عبد الفتاح السيسى” إلى تنزانيا والتعاون فى تطوير الموانئ والمحاور اللوجيستية التنزانية يعززان بالفعل المصالح الصينية فى القارة الأفريقية، حيث يُعد المحور المصرى إمتداداً استراتيجياً غير مباشر لـ “طريق الحرير” الصينى بشقيه البحرى والعسكرى، من خلال تسهيل حركة التجارة ودمج دول شرق ووسط أفريقيا الحبيسة بالأسواق العالمية عبر طرق التجارة البحرية والبرية المتعددة، فضلاً عن التقاطع مع المصالح الإستراتيجية للصين مع المصالح الإستراتيجية لمصر، وهنا تلتقى الرؤية المصرية مع الأهداف الصينية لـ “طريق الحرير” (البحرى والعسكرى) فى عدة محاور رئيسية، منها: (تطوير ميناء دار السلام التنزانى)، حيث يمثل الميناء بوابة بحرية بالغة الأهمية على المحيط الهندى، وتتناغم مساعى مصر لتطويره مع إستثمارات الصين الضخمة في موانئ شرق أفريقيا، مما يخلق شبكة نقل متكاملة تخدم المصالح التجارية للصين فى المنطقة، وهو ما يساعد على الربط الإقليمى والدولى المتعدد بين تنزانيا ومصر والصين، فالمقترح المصرى بإنشاء (ممر متعدد الوسائط) لربط القاهرة بدار السلام عاصمة تنزانيا (ومنها إلى رواندا والدول الحبيسة)، بالإضافة إلى الخط الملاحى المقترح مع ميناء سفاجا المصرى، يساهم فى خلق “شرايين إمداد” حيوية تدعم حركة البضائع، وهو ما يتطابق مع سعى الصين للسيطرة على سلاسل الإمداد العالمية، ورسم قواعد جديدة للإرتكاز اللوجيستى، بمعنى أن تبادل المناطق اللوجستية بين مصر وتنزانيا، وتحويل الموانئ إلى نقاط إرتكاز لتوزيع السلع، يخدم إستراتيجية “سلاسل التوريد” التى تقودها الصين، حيث تعتمد الصين على ربط الأسواق الأفريقية بالأسواق الآسيوية والأوروبية عبر محاور تنمية إقتصادية مستدامة، متزامناً مع تطوير البنية التحتية والسكك الحديدية التنزانية لخدمة مصالح مصر والصين. حيث يكمل التعاون فى مجالات النقل السككي والطرق البرية المشروعات الكبرى التى تقودها بكين والقاهرة لربط الساحل الشرقى لأفريقيا بداخل القارة الأفريقية.
ومن جانب آخر، نجد بأن إستثمارات الصين فى الموانئ الأفريقية والتنزانية على وجه الخصوص يدعم الإستراتيجية والمصالح المصرية فى خلق طرق تجارة أفريقية بديلة لخدمة مصالح وأهداف الأمن القومى المصرى. حيث يمكن أن تستفيد مصر إستخباراتياً وبحرياً وعسكرياً من التواجد الصينى المكثف فى موانئ تنزانيا لربط شرق أفريقيا بمصر والصين بشقيها العسكرى والبحرى. حيث تستثمر الصين بكثافة فى الموانئ التنزانية كجزء محورى من مبادرة “الحزام والطريق” بشقيه البحرى والعسكرى، لتعزيز التجارة وربط شرق أفريقيا بالصين وبالأسواق العالمية. وتتمثل أبرز محاور هذا الإستثمار فى تطوير البنية التحتية والربط اللوجستى مع الموانئ لدعم حركة الإستيراد والتصدير الصينى فى أفريقيا والمنطقة. وأبرز الموانئ التنزانية التى تستثمر فيها الصين، هى (ميناء دار السلام)، ويُعد الميناء الرئيسى فى تنزانيا، وتلعب الشركات الصينية دوراً محورياً فى توسعته وتحديث مرافقه لتقليل أوقات الإنتظار للسفن وزيادة قدرة مناولة البضائع، فضلاً عن مشروعات الربط السككى، حيث ترتبط خطة الصين لتطوير ميناء دار السلام التنزانى بشبكة سكك حديدية ضخمة تتجاوز قيمتها ٢ مليار دولار، تنفذها شركات صينية لربط الميناء بمناجم النيكل فى دولة بوروندى والدول المجاورة. فضلاً عن إستثمار الشركات الصينية فى ميناء باجامويو” بتنزانيا
(Bagamoyo)
وهو مشروع ضخم تم التخطيط له ليكون أكبر ميناء فى شرق أفريقيا، حيث سعت الصين لتمويله وإستغلاله ضمن إستراتيجيتها الأوسع نطاقاً للسيطرة وتوسيع النفوذ البحرى ثم العسكرى فى المستقبل فى القارة الأفريقية. مع الوضع فى الإعتبار. تغير مسار المشروع، بسبب تعثر المفاوضات الصينية مع تنزانيا للإستحواذ على حق الإمتياز طويل الأمد لميناء “باجامويو”، بسبب خلافات صينية حول الشروط مع تنزانيا، مما أدى إلى دخول شركات إستثمارية أخرى، مثل “مجموعة موانئ دبى العالمية” و “الشركة السعودية الأفريقية للإستثمار”
(SADC)
للمنافسة على تطويره وإدارته. كما تستثمر الصين فى (موانئ زنجبار بتنزانيا)، وهنا تستثمر بكين فى تطوير وتوسعة الموانئ فى جزر زنجبار لزيادة سعتها، وتخفيف الإزدحام، وخفض تكلفة إستيراد السلع الأساسية للمواطنين. وتهدف الصين من خلال هذه الإستثمارات فى الموانئ التنزانية إلى تأمين طرق التجارة، والوصول إلى الموارد الطبيعية الحيوية فى أفريقيا. فى المقابل، تثير هذه المشروعات التنموية جدلاً محلياً ودولياً حول مخاطر الوقوع فى فخ الديون السيادية والإعتماد على التكنولوجيا الصينية.
وبناءً عليه، يمكننا تحليل أبعاد الإستفادة المصرية من هذا التواجد الصينى فى الموانئ الأفريقية والتنزانية، من خلال (البعد اللوجيستى والتجارى لخلق طرق إمداد بديلة)، حيث أن تنوع مصر والصين فى مساراتهم التجارية لتخفيف الضغط على الممرات التقليدية وخلق شبكة لوجستية لربط شرق أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقى بمصر والصين. خاصةً مع وجود خطط ومشاورات مستمرة لإنشاء خط ملاحى بحرى مباشر يربط بين ميناء سفاجا المصرى وميناء دار السلام التنزانى منا يخدم حركة التجارة وسلاسل الإمداد والتوريد الصينية. خاصةً مع إستهداف مصر والصين لإنشاء مناطق لوجستية لتجميع الصادرات المصرية والصينية فى تنزانيا تمهيداً لنقلها وتوزيعها فى أسواق وسط وشرق أفريقيا. وهو ما يعزز البعد الأمنى والإستراتيجى لتأمين حركة التجارة الصينية والمصرية على حدٍ سواء. ونجد بأن وجود قوى كبرى، مثل الصين فى هذه الموانئ التنزانية يوفر مظلة أمنية لحماية خطوط الملاحة البحرية المصرية ضد التهديدات فى المحيط الهندى. وهذا ما يخدم الرؤية الأمنية والسياسية والإستخباراتية الصينية المصرية فى منطقة العمق الأفريقى، لخدمة الرؤية المصرية للأمن القومى من خلال تعزيز الحضور السياسى والدبلوماسى فى منطقة القرن الأفريقى وشرق أفريقيا ودول حوض النيل. كما أن التواجد المصرى الصينى فى موانئ تنزانيا يخدم البعد العسكرى والبحرى والدعم اللوجستى الصينى المصرى، وهنا يتيح التواجد المكثف للبنية التحتية الصينية فى موانئ تنزانيا تسهيلات بحرية ولوجستية يمكن للقطع البحرية المصرية الإستفادة منها خلال التدريبات المشتركة أو مهام تأمين السواحل الأفريقية. كما أن التعاون الإستخباراتى بين (هيئة قناة السويس المصرية وهيئة الموانئ التنزانية)، إلى جانب الشراكات الدبلوماسية بين مصر والصين وتنزانيا، يفتح الباب لتبادل المعلومات الإستخباراتية بينهم جميعاً لتأمين المصالح المشتركة فى القارة الأفريقية.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس