تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تراقب المؤسسات الإستراتيجية ودوائر الأبحاث التابعة لـ “جيش التحرير الشعبى الصينى”
(PLA)
أداء الجيش الألماني (البوندسفير) بإهتمام بالغ. وتنصبّ التغطيات والتحليلات الصينية على عدة محاور رئيسية تعكس إهتمام بكين بتقييم القدرات العسكرية الغربية وتأثيرها على الأمن الأوروبى والعالمى، منها (جهود إعادة التسلح وجاهزية الجيش الألمانى المعروف بإسم “البوندسفير”)، وهنا يراقب المحللون العسكريون الصينيون خطط التطوير الألمانية الطموحة التى تهدف إلى رفع عدد أفراد الجيش إلى ٢٦٠,٠٠٠ جندى، بالإضافة إلى إقرار قوانين الخدمة العسكرية الجديدة وإصلاحات القيادة. وتُقيّم الصين هذه الخطوات كتحول إستراتيجى هام لحلف شمال الأطلسى “حلف الناتو” رداً على التوترات العالمية، وتأثير ذلك على موازين القوى. وفى هذا الإطار، تحلل الدوريات العسكرية والإستخباراتية التابعة لجيش التحرير الشعبى الأداء التكتيكى والعقيدة القتالية والتدريبات المشتركة والعمليات العسكرية الألمانية لتقييم تكتيكات المناورة والقدرات المشتركة، مستلهمة فى بعض قراءاتها التاريخية مدى قدرة الجيوش على التكيف السريع. كما تتابع الصين بإهتمام بالغ مدى التطور فى القدرات التكنولوجية فى صناعات الدفاع الألمانية، مثل (تقنيات الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوى والبحرى، وتأثير ذلك على التحديث التكنولوجى فى الساحات الأوروبية).
.
وفى تقاريرها حول التحديات التى تواجه الجيش الألمانى “البوندسفير”، تُسلّط التغطيات الصينية الضوء على العقبات الهيكلية التى تواجه الجيش الألمانى، مثل (أزمة التجنيد، وتحليل أسباب عزوف الشباب الألمانى عن الخدمة ومشاكل التمويل واللوجستيات)، مما يعيق أحياناً من سرعة الوصول إلى الأهداف الإستراتيجية المرجوة. كما تتطرق التحليلات الصينية إلى أوجه التعاون والتدريب المشترك والمستمر بين الجانبين الصينى والألمانى، مثل (المناورات الطبية المشتركة والبحوث الأكاديمية العسكرية المتبادلة)، كجزء من محاولات بكين فهم العقيدة العملياتية للجيوش الأوروبية. ومن أجل ذلك، يراقب المحللون العسكريون الصينيون عن كثب أزمة التجنيد فى الجيش الألماني (البوندسفير) وإعادة هيكلته لفهم العقيدة العملياتية لحلف الناتو. وتستخدم بكين هذه البيانات لتقييم مدى قدرة أوروبا على التدخل عسكرياً فى حال إندلاع نزاع حول تايوان أو تصاعد أزمة مضيق هرمز وإيران. وترتكز تحليلات “جيش التحرير الشعبى الصينى” لمراقبة الجيوش الأوروبية على تحليل وتقييم (أزمة البوندسفير أى الجيش الألمانى وعقيدة الناتو العملياتية بالنسبة لألمانيا وتحديات التجنيد للشباب الألمانى)، حيث يتابع مراقبو بكين الجدل الداخلى الألمانى حول العودة إلى الخدمة الإلزامية ونقص أعداد المتطوعين من جيل الشباب. ويُنظر إلى هذا النقص فى ألمانيا وباقى الدول الأوروبية وققاً للتحليلات الإستخباراتية والعسكرية والدفاعية والأمنية الصينية، على أنه نقطة ضعف بنيوية فى قدرة حلف الناتو على حشد قوات كافية فى مواجهة الصين بخصوص إحتدام أى صراع حول مضيق تايوان أو تصاعد أزمة مضيق هرمز فى المستقبل. وتدرك بكين مساعى المستشار الألمانى “فريدريش ميرز” ووزير الدفاع “بوريس بيستوريوس” لتوسيع الجيش الألمانى ورفع قدراته، مما يمثل تحولاً تدريجياً فى السياسة الدفاعية الألمانية نحو “إعادة التسلح”
“Remilitarization”
ولذلك، تدرس بكين ملف “مركزية القيادة العسكرية الألمانية”، لفهم كيف تتكامل الإصلاحات الدفاعية والعسكرية الألمانية مع إستراتيجية الناتو العسكرية التى تعتمد فيها أوروبا على بناء جيوش تقليدية قوية لتقليل العبء على الولايات المتحدة الأمريكية. كما تدرس الدوائر العسكرية المعنية فى بكين وتقيم مدى قدرة الجيوش الأوروبية وبالأخص الألمانية على (التدخل فى أزمة مضيق هرمز وحرب إيران لتحليل مدى القدرة على الإسقاط العسكرى)، حيث يراقب المخططون الصينيون بدقة تردد الدول الأوروبية فى إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز وتأمين خطوط الملاحة فى الشرق الأوسط بعد حرب إيران، مما يؤكد لبكين أن القوى الأوروبية تواجه قيوداً لوجستية وعسكرية وسياسية واسعة خارج حدودها المباشرة. كما تحلل مراكز الفكر والإستخبارات العسكرية المعنية فى بكين كافة السيناريوهات الإستراتيجية تجاه ملف تايوان والردع المزدوج، وهنا تستخدم الصين هذه التحليلات لتعزيز إستراتيجياتها للردع، حيث يُظهر التراخى الأوروبى وبالأخص الألمانى فى أزمات مثل الشرق الأوسط مدى عدم قدرتهم على تقديم دعم عسكرى سريع وحاسم للولايات المتحدة الأمريكية فى المحيطين الهندى والهادئ. كما تدرس بكين “إستراتيجية الحصار”، بمعنى محاكاة بكين سيناريوهات عسكرية دقيقة – مثل التدريبات المكثفة حول تايوان – لإستنزاف الخصوم وإظهار التفوق، معتمدة فى تقييماتها على مراقبة هشاشة سلاسل الإمداد الأوروبية والألمانية ونقص القدرات الدفاعية المترابطة لحلف الناتو.
وتؤكد هذه القراءات الإستراتيجية أن المخططين العسكريين فى بكين يدرسون بدقة محدودية “الإسقاط العسكرى” الأوروبى والألمانى خارج الحدود، مستغلين أزمة مضيق هرمز لتقييم مدى إعتماد الغرب وألمانيا على الردع الأمريكى، مما يشير إلى أزمة لوجستية وسياسية تعوق التدخل الأوروبى وبالأخص الألمانى المستقل فى نزاعات وصراعات الشرق الأوسط. وبرزت هذه القيود والتحركات ضمن عدة محددات رئيسية، منها (التردد والقيود الألمانية)، فقد أظهرت تحليلات مراكز الفكر العسكرية والبحثية والإستخباراتية الصينية مدى التحفظ الكبير لبرلين فى إرسال سفن حربية بشكل مستقل لحماية الملاحة فى مضيق هرمز والشرق الأوسط، خاصةً مع ربط الحكومة الألمانية أى مشاركة عسكرية فى نزاعات الشرق الأوسط، مثل نشر كاسحات الألغام “فولدا”
“Fulda”
وسفن الإمداد “موسيل”
“Mosel”
بوجود تفويض دولى وتوافق سياسى صارم يمر عبر البرلمان الألمانى (البوندستاغ). وهنا كشفت الأزمة بالنسبة للدوائر الصينية عن إفتقار القوى الأوروبية (بما فيها فرنسا والمملكة المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا) إلى القدرة اللوجستية والعسكرية لإدارة وحسم ممرات الطاقة الحيوية بشكل مستقل بعيداً عن التحالفات الأمريكية. لذا، تمثلت إستنتاجات بكين الجيوسياسية، من خلال مراقبة المخططون الصينيون لهذه الإستجابات البطيئة والتحفظ الدبلوماسى عن كثب كنموذج تحليلي حى لمدى قدرات وتحركات الجيش الألمانى البوندسفير فى مواجهتها فى إطار عقيدة حلف الناتو العسكرى الذى تقوده وتهيمن عليه واشنطن. وهنا، تستخدم الصين هذه المؤشرات كإستراتيجية تقييم حول كيفية تأثير القيود السياسية وسلاسل الإمداد على أأى تحالفات غربية وألمانية فى حال نشوب أزمة فى (مضيق ملقا أو تايوان) فى المستقبل.
وبناءً عليه، تتابع وكالات التحليل الأمنى الصينية تلك العوامل لإستخلاص الدروس حول مدى فعالية التدخلات العسكرية الأجنبية وبالأخص الألمانية بعيداً عن القواعد المباشرة، لفهم وتحليل المزيد حول الخطط والتحركات البحرية الألمانية فى هذا السياق، ولمراجعة تقارير القدرات العسكرية واللوجستية للجيش الألمانى وجيوش أوروبا مجتمعة فى إطار علاقتهم بحلف الناتو العسكرى فى مواجهة الصين.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس