تحليل الدكتورة/ نادية حلمى
الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف
تعتمد الصين في مشاركتها بمؤتمرات الفاتيكان للحوار الديني وتوظيفها لـ “مبادرة الحضارة العالمية”
(GCI)
على آليات دبلوماسية وثقافية وسياسية مدروسة. وهنا تسعى بكين من خلال هذه الآليات إلى تعزيز شرعيتها الدولية، وتفكيك سردية “صراع الحضارات”، وتقديم نموذج حوكمة بديل يحترم خصوصية الدول السياسية والدينية. وتتلخص أبرز آليات المشاركة الصينية والربط بين الحوار الدينى ومبادرة الحضارة العالمية الصينية، من خلال فهم آليات الدبلوماسية الدينية والإتفاقيات المؤقتة بين الصين وبابوية الفاتيكان، والمتمثلة بالأساس فى (الإتفاقية المؤقتة لتعيين الأساقفة الكاثوليك فى الصين)، حيث تُعد هذه الإتفاقية (الموقعة عام ٢٠١٨ والتى تُمدد دورياً) هى بنية وأساس الحجر الأساس للتواصل المؤسسى بين بكين والفاتيكان. وتستغلها الصين كآلية لبناء الثقة السياسية وتسهيل مشاركة ممثلى الكنيسة الكاثوليكية الصينية الرسمية التابعة لـ (الجمعية الكاثوليكية الصينية الرسمية المقربة من الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين) فى الفعاليات والمؤتمرات التى ينظمها الفاتيكان. ويمثل التطور الدبلوماسي المتمثل فى فتح الفاتيكان لبعثة دائمة أو مكتب إتصال فى الصين، وتأسيس بعثة دائمة للفاتيكان، كآلية تواصل مباشر ومستدام، مما يتيح التنسيق رفيع المستوى للمشاركة فى مؤتمرات الحوار الثقافي والدينى بين الصين والفاتيكان.
وهنا، تعمل الصين على توظيف “مبادرة الحضارة العالمية الصينية”
(GCI)
للرئيس الصينى “شى جين بينغ”، كإطار لتقديم رؤية صينية للتعايش ترتكز على آليات عملية ل مواجهة الغرب، ورفض فرض القيم الأحادية على الصين والجنوب العالمى، وهنا تستخدم الصين منصات الفاتيكان للدعوة إلى مبدأ “إحترام تنوع الحضارات”، ورفض فرض القيم والمعايير الغربية لحقوق الإنسان أو الحريات الدينية كمقاييس عالمية مطلقة، مع رفع القيادات الصينية لشعار “التعلم المتبادل”، حيث تروج الصين فى مؤتمرات الحوار مع الفاتيكان لفكرة “تجاوز الصدام عبر التعلم المتبادل”، مما يظفر بدعم الفاتيكان الذى يتبنى تاريخياً نهجاً يدعو للحوار السلامى بين الأديان.
وعلى الجانب الآخر، تتمسك الصين وحزبها الشيوعى الحاكم بمبدأ آلية “صَوونة” الدين أو جعله صينياً على الغرار الثقافى الصينى
)Sinicization(
لمنع تسييسه غربياً وأمريكياً عبر الغلغل الدينى والثقافى داخل الأديان والقوميات والأقليات والثقافات الصينية، عبر التمسك الصينى بمبدأ (الإئتمان المتبادل لدمج الإشتراكية الصينية بالثقافة التقليدية)، وهنا تشارك الوفود الصينية (التى تضم أكاديميين ورجال دين معتمدين من الحزب الشيوعى الصينى) فى مؤتمرات الفاتيكان والحوار الحضارى العالمى ومؤتمرات السلام العالمى، لطرح مفهوم “صوونة الأديان”، أى تكييف الكاثوليكية والدين المسيحى مع الثقافة الصينية والإشتراكية ذات الخصائص الصينية، مع حرص الصين على تقديم النموذج الكونفوشيوسى فى التسامح، بمعنى إعتماد الآلية الثقافية الصينية على إبراز الجذور الفلسفية والحضارية القديمة (كالكونفوشيوسية والتاوية) التى تدعو إلى قيم “الإنسجام والتناغم دون تطابق”، لتبين للفاتيكان والمجتمع الدولى أن الصين تمتلك إرثاً حضارياً عريقاً يدعم الحوار والتعايش المشترك. وتبرز وجهة النظر الصينية للحزب الشيوعى الحاكم فى الصين، فى ضرورة التمسك الصينى الصارم، بمبدأ “صَوونة الدين” أو جعله صينياً على الغرار الثقافى الصينى
(Sinicization)
لجعله متوافقاً مع المجتمع الإشتراكى الصينى. وتهدف هذه السياسة الصينية، إلى وضع قواعد من أجل (منع تسييس الأديان خارجياً، وحماية الهوية الوطنية، وإزالة أى تأثيرات أجنبية أو “تغلغل ثقافى” غربى وأمريكى داخل الأقليات والقوميات الصينية البالغ عددها ٥٦ قومية وعرقية دينية).
ويُعدّ التوجه نحو “تصيين الدين” جزءاً من الإستراتيجية الأوسع للحكومة الصينية، والتى ترتكز على عدد من الجوانب الرئيسية، مثل (التوافق مع الفكر الإشتراكى)، حيث تطلب الحكومة والقيادات العليا للمكتب السياسى للحزب الشيوعى الصينى، من كافة المؤسسات وقادة الطوائف الدينية داخل الصين ضرورة دعم قيادة الحزب الشيوعى ودمج القيم الإشتراكية الأساسية ضمن تعاليمهم، مع تشديد وتفعلي آلية (الرقابة الرسمية) داخل الصين، حيث تُدار الأديان الخمسة المعترف بها رسمياً داخل الصين (البوذية، الطاوية، الإسلام، الكاثوليكية، والبروتستانتية) عبر جمعيات وطنية خاضعة لإشراف (إدارة الدولة للشؤون الدينية ودائرة عمل الجبهة المتحدة). وهنا تتبع الصين نهج (الإصلاح المعمارى والفكرى لكافة دور العبادة داخل الصين)، ويشمل التطبيق العملى للسياسة الصينية عدة إجراءات، مثل (تعديل المعالم المعمارية لكافة دور العبادة داخل الصين لكى تكون ملائمة للنهج الحضارى والثقافى الصينى، كإزالة الصلبان عن الكنائس أو تعديل قباب ومآذن المساجد) لتتخذ الطابع المعمارى الصينى، إلى جانب توجيه الخطاب الدينى ليتماشى مع الثقافة الصينية.
ويبقى الأمر الجدير بالتحليل والملاحظة وفق ما حللته الباحثة المصرية، هو تكثيف الإعتماد الصينى على القنوات الأكاديمية ومراكز الفكر، فيما يعرف بـ (المسار الثانى للدبلوماسية أو دبلوماسية المسار الثانى)
(Track II Diplomacy)
فى كافة مؤتمرات الحوار الثقافى والدينى والحضارى ومؤتمرات السلام الدولية، وفى عملية التبادل الثقافى والدينى مع الفاتيكان، عبر تفعليل الصين لدور “دبلوماسية المسار الثانى” عبر التبادل الفكرى والأكاديمى مع الفاتيكان والعالم لتفعيل أسس الحوار والتعايش الثقافى والحضارى والدينى للصين مع الفاتيكان والعالم. حيث تحرص بكين على إرسال وإيفاد باحثين من “الأكاديمية الصينية للعلوم الإجتماعية”
)CASS)
وجامعات كبرى للمشاركة فى المؤتمرات السنوية لـ (مركز الفاتيكان للحوار الإنسانى أو الأكاديميات البابوية). مع ربط الصين وقيادات الحزب الشيوعى الصينى لمفهوم (التنمية بالأمن الثقافى)، وهنا تطرح الصين عبر هذه المنصات الأكاديمية ودبلوماسية المسار الثانى، معادلتها الشاملة لنشر مبادراتها العالمية للرئيس الصينى “شى جين بينغ”، وهى (مبادرة التنمية العالمية + مبادرة الأمن العالمى + مبادرة الحضارة العالمية، مبادرة الحوكمة العالمية)، لتقنع المؤسسات الدينية حول العالم والفاتيكان على وجه الخصوص، بأن الإستقرار الثقافى والروحى لا ينفصل عن التنمية الإقتصادية والأمنية الإقليمية.
وتُجسّد “دبلوماسية المسار الثانى” الصينية مقاربة إستراتيجية صينية هامة، لربط الأمن القومى الصينى بالتنمية الثقافية. ومن خلال مؤسسات أكاديمية صينية، مثل (الأكاديمية الصينية للعلوم الإجتماعية) تحرص بكين على المشاركة فى المؤتمرات البابوية للفاتيكان، كى تروج الصين لمعادلتها الشاملة، ومبادرات الرئيس “شى جين بينغ” للتنمية، الأمن، والحضارة، لإقناع الفاتيكان والمؤسسات الدينية بأن الإستقرار الروحى لا ينفصل عن التنمية الإقتصادية. وتسعى الصين لتحقيق أهدافها الدبلوماسية والثقافية عبر مسارات عدة، مثل (دبلوماسية المسار الثانى)
)Track II Diplomacy)
حيث تلعب الأكاديميات ومراكز الفكر الصينية دوراً محورياً فى حوار الحضارات، حيث يتم إيفاد الباحثين من الجامعات الكبرى والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (للمشاركة فى المؤتمرات السنوية التي تعقدها المؤسسات التابعة للفاتيكان، مثل الأكاديميات البابوية، لتعزيز التواصل الثقافي والدينى). مع حرص قيادات الحزب الشيوعى الصينى على ربط (مفاهيم الأمن القومى بالأمن الثقافى ودمج التنمية بالأمن الثقافى)، وتطرح بكين هذا المفهوم فى المحافل الدولية، كأداة لبناء “إجماع عالمى” بأن الإستقرار الروحى والثقافى يتماشى مع التنمية الإقتصادية والأمن الإقليمى. مع تفعيل الصين عدداً من (المبادرات العالمية) كجسر للحوار، وهنا تستغل الصين هذه المنصات الأكاديمية لها لطرح المبادرات العالمية للرئيس “شي جين بينغ”، والتى تشمل: (مبادرة التنمية العالمية ومبادرة الأمن العالمي، إلى جانب مبادرات الحضارة والحوكمة العالمية). وتهدف بكين من ذلك إلى إقناع المؤسسات الدينية العالمية، والفاتيكان بشكل خاص، برؤيتها المتكاملة للإستقرار العالمى.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس