أخبار عاجلة

تحليل الدوائر الإستخباراتية الصينية لمغزى لقاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بنظيره الرئيس اللبنانى

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى

الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى الصين والشئون الآسيوية ـ أستاذ العلوم السياسية جامعة بنى سويف

عملت الدوائر الإستخباراتية والعسكرية والسياسية والإستراتيجية الصينية على تحليل وتقييم مغزى لقاء الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” بنظيره الرئيس اللبنانى “جوزيف عون” فى البيت الأبيض، يوم الثلاثاء الموافق ٢١ يوليو ٢٠٢٦، وإعتبرته الدوائر المعنية فى بكين بمثابة نوع من (صراع أو إستقطاب القوى الكبرى)، حيث ترى الصين أن واشنطن تحاول أن تستخدم نفوذها فى لبنان والشرق الأوسط لتقويض مساعى بكين لبناء نظام عالمى متعدد الأقطاب، وبالتالى، فإن أى مسار سياسى فى لبنان يصب فى مصلحة المحور الغربى والأمريكى يعتبر تحدياً مباشراً للمصالح الأمنية والإستراتيجية الصينية فى لبنان ومنطقة المشرق العربى والشرق الأوسط. خاصةً مع محاولة التقارب الأمريكى الواضح مع لبنان بتقديم تسهيلات كثيرة له، كتوضيح “ترامب”، بأن الجانب الأمريكى مستعد لتقديم المساعدة للبنان، بما فى ذلك مراجعة تقدم قوات الجيش اللبنانى فى السيطرة على القرى فى “المناطق التجريبية” بعد إنسحاب الجيش الإسرائيلى، وحل قضية حزب الله اللبنانى، مع الإعراب عن إستعداد الإدارة الأمريكية للحوار مع حزب الله. وأعقبها إعلان الرئيس الأمريكى “ترامب” عبر وسائل التواصل الإجتماعى، بأنه يخطط لإعادة جميع شركات الطيران الأمريكية للرحلات المباشرة إلى لبنان. وإذا تحقق هذا المخطط، سيكون ذلك المرة الأولى منذ أكثر من ٤٠ عاماً التى ستُستأنف فيها الرحلات المباشرة بين البلدين. مع إعلان الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب”، توجيه إدارته رسمياً للسماح لشركات الطيران الأمريكية بإستئناف الرحلات الجوية المباشرة إلى لبنان، منهياً حظراً دام أكثر من ٤٠ عاماً منذ أزمة إختطاف طائرة شركة “تى دبليو إيه ٨٤٧” الأمريكية فى لبنان عام ١٩٨٥

(TWA Flight 847(

وفى هذا الإطار، تُنظر الدوائر الإستخباراتية الصينية لزيارة الرئيس اللبنانى “جوزيف عون” للبيت الأبيض، بمثابة تحول إستراتيجى جوهرى، حيث تهدف هذه الخطوة فى جوهرها وفقاً لتحليلات مراكز الفكر والإستخبارات الصينية، إلى (تعزيز مؤسسات الدولة والجيش اللبنانى لتمكينه من بسط سيادته، وتقويض نفوذ حزب الله، والعمل على إرساء تسوية مستدامة مع إسرائيل برعاية أمريكية). وقد برزت هذه الزيارة كتحول إستراتيجى بارز وفقاً للدوائر السياسية والدبلوماسية الصينية، للعديد من الأسباب، منها (الرغبة الأمريكية فى تفعيل التسوية الميدانية)، حيث تزامنت زيارة “جوزيف عون” رسمياً لواشنطن مع بدء الجيش اللبنانى بالفعل إنتشاره فى “المناطق التجريبية” التى إنسحب منها الجيش الإسرائيلى فى جنوب لبنان، وذلك فى أول إختبار عملى لإتفاق الإطار الموقّع برعاية أمريكية. لضمان إنسحاب القوات الإسرائيلية تدريجياً من بلدات الجنوب اللبنانى. كما تهدف هذه الخطوة من وجهة النظر الصينية إلى (تقويض نفوذ طهران وحزب الله)، حيث تسعى الإدارة الأمريكية وفقاً للتحليلات الصينية لجعل المؤسسة العسكرية اللبنانية هى القوة المسلحة الوحيدة فى البلاد، وسط مساعٍ مستمرة لتفكيك البنية العسكرية لحزب الله وإبعاده عن المشهد الأمنى فى الجنوب اللبنانى. كما أن تلك التحركات والتكتيكات الأمريكية فى لبنان تهدف وفقاً للتحليلات السياسية والإستخباراتية الصينية إلى (إعادة التموضع الإقليمى)، بمعنى أن هذه الخطوات الأمريكية قد أتت بالتزامن مع توترات مستمرة وتصعيد عسكرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإشتعال أزمة مضيق هرمز وبدء تنفيذ ضربات عسكرية أمريكية جديدة ضد طهران رغم جهود الوساطة الباكستانية بدعم صينى، وهو الأمر الذى يدفع واشنطن إلى تعزيز دور الحكومات الشرعية فى (دول الطوق) لتقليص مساحة النفوذ الإيرانى والصينى سوياً، وفقاً لتقييمات الدوائر الإستخباراتية فى الصين.

وفى هذا الإطار، تُنظر الدوائر الإستخباراتية الصينية لزيارة الرئيس اللبنانى “جوزيف عون” للبيت الأبيض ولقاؤه مع الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب” بعين إستراتيجية فى بكين كتحول تكتيكى أمريكى نحو تعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية اللبنانية الرسمية، وعزل طهران عبر تقويض سيطرة حزب الله وإرساء تسوية مع إسرائيل برعاية واشنطن وربما كخطوة مستقبلية تمهيداً لضم لبنان إلى “الإتفاقيات الإبراهيمية” مع إسرائيل برعاية واشنطن. وترصد مراكز التحليل الصينية أبعاد هذا التقارب والتطورات فى الملف اللبنانى كـ (محاولة عزل النفوذ الإيرانى)، حيث ترى الدوائر الصينية أن الإدارة الأمريكية تحاول تكرار سيناريوهات سابقة لإحتواء الفوضى الإقليمية عبر الرهان على الجيش اللبنانى كقوة وحيدة ممسكة بزمام الأمور. ويسعى “ترامب” من خلال هذا الدعم بالنسبة للصين، إلى إضعاف محور المقاومة ضد إسرائيل وواشنطن المدعوم من طهران، خاصةً مع إندلاع صراع أوسع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، مما يجعل تحييد لبنان ورقة ضغط ثمينة. وهنا ينظر الإستراتيجيون الصينيون إلى نشر قوات الجيش اللبنانى فى “المناطق التجريبية”، وهى مناطق الإنسحاب الإسرائيلى وتقدم قوات الجيش اللبنانى فى السيطرة على كافة القرى فى “المناطق التجريبية” بعد إنسحاب الجيش الإسرائيلى بمثابة “إختبار ميدانى” حساس. خاصةً وأن نجاح الجيش اللبنانى فى فرض سيادته سيعنى بالنسبة للولايات المتحدة في بمثابة إنتصاراً دبلوماسياً وسياسياً ضمن ما وصفه “ترامب” بإرثه للسلام، بينما فشله قد يُعيد إشعال حرب أهلية أو يدفع نحو تصعيد جديد.

وهنا تحلل مراكز الفكر والإستخبارات العسكرية والسياسية والإستراتيجية الصينية لهذه البراغماتية الأمريكية المتمثلة فى (عرض الحوار مع حزب الله)، ومدى إثارة إستعداد “ترامب” للتفاوض المباشر مع حزب الله – بناءً على طلب الرئيس اللبنانى جوزيف عون – إهتمام بكين، فهو يعكس عقلية “الصفقة البراغماتية” التى ينتهجها “ترامب”، والتى لا تستبعد الخصوم متى ما كان ذلك يخدم المصالح الأمريكية ويحقق الإستقرار المنشود، أو يمهد الطريق لإنهاء الأزمة. ومن أجل ذلك، حللت الدوائر المعنية فى بكين لمغزى إعلان الرئيس الأمريكى “ترامب” لإستئناف الرحلات المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة الأمريكية، كأداة “للقوة الناعمة”:، حيث يُنظر صينياً إلى قرار إستئناف الرحلات الجوية المباشرة لشركات الطيران الأمريكية (وهو إجراء معلق منذ أزمة طائرة “توا” عام ١٩٨٥)

“TWA “

وذلك كخطوة إستراتيجية لربط واشنطن بالشتات اللبنانى، ودعم الإقتصاد اللبنانى المنهار عبر السياحة والإستثمار. وتعتبر بكين هذه الخطوة أداة ضغط ناعم أمريكى لربط المصالح اللبنانية بالغرب وتقليص مساحة المناورة أمام أى نفوذ شرقى، مثل (الإستثمارات الصينية المحتملة فى لبنان فى قطاعات الطاقة والبنية التحتية).

ومن أجل ذلك، حللت الدوائر الإستخباراتية فى الصين للأبعاد السياسية والإستراتيجية للقرار الأمريكى بإستئناف حركة الرحلات الجوية المباشرة مع لبنان، وذلك رغم أن الإدارة الأمريكية الحالية تسوق القرار كخطوة لدعم الإقتصاد اللبنانى وتسهيل تواصل الشتات والبلدان الإغترابية اللبنانية فى أمريكا الشمالية مع وطنهم، إلا أن الأوساط الدبلوماسية ومراكز التحليل الإستراتيجى الصينية، تنظر إلى هذه الخطوة بأبعاد أعمق، منها (الرغبة الأمريكية فى دعم شرعية الدولة اللبنانية)، حيث يُنظر إلى الخطوة كدعم أمريكى مباشر ومكافأة سياسية للرئيس اللبنانى “جوزيف عون” والشرعية المؤسساتية له، بالتزامن مع تطبيق “إتفاق الإطار” ومساعى بسط سيادة الجيش اللبنانى حصراً على الأراضى اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات لحزب الله، والميليشيات والحركات الأخرى المتحالفة معه. كما أن تلك الخطوة تهدف لـ (سحب البساط الإقليمى من إيران وقوى الشرق كالصين لصالح واشنطن والغرب)، حيث تمثل هذه العودة الجوية بين واشنطن وبيروت، بمثابة توسيع النفوذ الإقتصادى للولايات المتحدة فى لبنان، كإستراتيجية جديدة لواشنطن لربط بيروت بالمنظومة الغربية، والحد من التغلغل والنفوذ الإيرانى والصينى المتزايد فى منطقة شرق المتوسط. كما يمثل ذلك (مؤشر أمنى وسياسى بالنسبة للصين)، حيث تعكس الخطوة رغبة واشنطن فى إرسال رسالة ثقة دولية بالبنية التحتية والأمنية لمطار بيروت الدولى، بالرغم من إستمرار تحديات الصراع الإقليمى القائم بسبب حرب إيران وأزمة مضيق هرمز.

ومن جانب آخر، حللت الدوائر الإستخباراتية فى الصين العوائق التقنية الحالية التى قد تعوق إستئناف حركة الطيران بشكل مباشر وتام بين لبنان والولايات المتحدة الأمريكية، فبرغم صدور القرار السياسى لذلك من واشنطن بإستئناف حركة الرحلات الجوية المباشرة بينهما، إلا أن التنفيذ الفعلى للرحلات المباشرة وفقاً للتحليلات الصينية، لا يزال يواجه عقبات تحتاج إلى وقت لحلها، وتشمل (المراجعة الأمنية)، حيث يتطلب البدء الفعلى بالرحلات الكاملة المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة إجراء مراجعة وتقييم فنى صارم وتدقيق شامل من إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (إف آى آى)

(FAA)

لإجراءات السلامة فى مطار بيروت. هذا فضلاً عن (تحذيرات السفر الأمريكية لمواطنيها حتى هذه اللحظة بعدم السفر إلى لبنان كمنطقة خطرة وفقاً للتصنيف الأمريكى)، حيث لا تزال وزارة الخارجية الأمريكية حتى اللحظة الراهنة تضع لبنان تحت المستوى الرابع للتحذير من السفر (“لا تسافر”) بسبب التوترات الإقليمية المستمرة. بالإضافة للأساسا لـ (تردد الشركات الأمريكية نفسها لإستئناف حركة الطيران المباشر مع لبنان)، حيث لم تعلن أياً من شركات الطيران الأمريكية الكبرى، مثل (شركة الخطوط الجوية الأمريكية وشركة دلتا الأمريكية)

(American Airlines & Delta)

عن جداول زمنية للرحلات، خاصةً فى ظل تعليق بعضها لرحلاتها إلى وجهات مجاورة بالمنطقة لأسباب أمنية بسبب حرب إيران بالأساس.

وبناءً على التحليل السابق، نخلص بأن الدوائر الإستخباراتية والإستراتيجية المعنية فى الصين، تعتبر بأن الترتيبات الأمريكية فى لبنان هى جزء من تقاطع المصالح التى تبحث واشنطن عن تنسيقها أو تحييد قوى إقليمية عنها كإيران وحلفاؤها والصين على وجه الخصوص. لذا، تعتبر الصين أن هذا التقارب الأمريكى اللبنانى، هو إمتداد لسياسات الهيمنة الأمريكية الهادفة إلى تطويق النفوذ الصينى، وإبعاد لبنان عن المشاركة فى المبادرة الإقتصادية الصينية للحزام والطريق. حيث يُعد موقع لبنان الجغرافى على ساحل البحر الأبيض المتوسط بالنسبة للصين، بمثابة حلقة وصل حيوية ضمن طريق الحرير الصينى. ومن أجل ذلك، تخشى بكين أن يؤدى الضغط الدبلوماسى الأمريكى إلى إجبار الحكومة اللبنانية على رفض الإستثمارات الصينية، مما يعطل خطط التوسع التجارى الصينى فى منطقة المشرق العربى ومحاصرة النفوذ الإقتصادى للصين فى لبنان. خاصةً وأن الصين تعتبر الشريك التجارى الأبرز للبنان، وبالتالى فإن النفوذ المالى للولايات المتحدة الأمريكية وفى حالة هيمنة مؤسساتها كاملة على النظام المصرفى اللبنانى يمنع بيروت من إقامة شراكات إقتصادية كاملة مع بكين، خوفاً من الوقوع تحت طائلة العقوبات الأمريكية

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

تحليل عسكري صيني لأداء الجيش الألمانى البوندسفير وأزمة التجنيد العسكرى للشباب الألمانى

تحليل الدكتورة/ نادية حلمى الخبيرة المصرية فى الشئون السياسية الصينية وسياسات الحزب الشيوعى الحاكم فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *