بقلم الإعلامي خالد سالم
في زمن تتسابق فيه المنصات الرقمية، وتتنافس الشاشات على جذب عين المشاهد، تبدو الدراما الإذاعية للوهلة الأولى وكأنها تنتمي إلى زمن مضى… لكن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.الدراما الإذاعية ليست تراثًا نحتفظ به في الذاكرة، وإنما سلاح إعلامي ناعم يمكن أن يكون من أقوى أدوات التأثير في الوجدان المصري والعربي.وأنا أطلق عليها «حصان طروادة الإعلام المصري»؛ لأنها تستطيع أن تدخل كل بيت، وكل سيارة، وكل هاتف، وأن تصل إلى المستمع دون أن تطلب منه أن يجلس أمام شاشة أو يخصص وقتًا طويلًا للمشاهدة.الإذاعة تملك ميزة لا تملكها كثير من وسائل الإعلام الأخرى: أنها تترك للصوت مهمة صناعة الصورة داخل خيال المستمع.وهنا تكمن قوة الدراما الإذاعية.فالمستمع لا يرى البطل، لكنه يتخيله. لا يرى المكان، لكنه يرسمه في خياله. لا يشاهد الحدث، لكنه يعيشه بالصوت والموسيقى والمؤثرات والأداء التمثيلي.ولهذا ظلت الدراما الإذاعية جزءًا أصيلًا من تشكيل الوجدان المصري والعربي، ونجحت أجيال من المؤلفين والمخرجين والممثلين في أن تصنع شخصيات وأعمالًا ما زالت حاضرة في الذاكرة حتى اليوم.لماذا الدراما الإذاعية الآن؟لأنها ببساطة الأكثر مرونة والأسرع والأقل تكلفة مقارنة بإنتاج الدراما التلفزيونية والمرئية.لا تحتاج إلى مواقع تصوير ضخمة، ولا ديكورات مكلفة، ولا معدات تصوير وإضاءة، ولا عمليات إنتاج طويلة ومعقدة.يمكن كتابة النص، واختيار فريق العمل، وإجراء البروفات، والتسجيل والمونتاج، ثم بث العمل خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.وهذا يعني أن الإذاعة تستطيع أن تنتج عددًا أكبر من الأعمال، بميزانيات أقل، وفي وقت أسرع.وهنا يجب أن نتوقف أمام هذه الميزة باعتبارها ليست مجرد توفير في النفقات، وإنما فرصة استراتيجية لإعادة بناء القوة الناعمة للإعلام المصري.فالعمل الإذاعي الجيد يمكن أن ينتقل من موجات الإذاعة التقليدية إلى المنصات الرقمية والبودكاست ومواقع التواصل، وأن يصل إلى المستمع المصري والعربي داخل مصر وخارجها.أي أن الدراما الإذاعية لم تعد محصورة في جهاز الراديو.إنها محتوى صوتي قابل لإعادة التوزيع عبر عشرات المنصات.موسم رمضاني يستحق التقديروقد شهد شهر رمضان الماضي موسمًا دراميًا إذاعيًا متميزًا أعاد التأكيد على أن الدراما الإذاعية قادرة على استعادة مكانتها إذا توافرت لها الإرادة والدعم والإنتاج الجيد.ومن هنا، لا بد أن نوجه التحية والتقدير لكل من تحمل مسؤولية هذا النجاح، وفي مقدمتهم الإعلامي الدكتور محمد لطفي، والكاتب أيمن فتيحة، والدكتورة ناهد الطحان، ولكل المؤلفين والمخرجين وفِرَق العمل الذين آمنوا بأن الدراما الإذاعية ما زالت قادرة على المنافسة وصناعة التأثير.كما لا يمكن أن نتحدث عن هذا النجاح دون أن نتوقف أمام مشاركة عدد من نجوم الفن المصري الذين منحوا هذه الأعمال قيمتهم الفنية والجماهيرية، ومن بينهم الأستاذ محمد صبحي، والفنانة صفاء أبو السعود، وسامح الصريطي، وعفاف شعيب، وندى بسيوني، وأحمد الرافعي، وسيمون، وحسن الرداد، وغيرهم من الفنانين الذين ساهموا في إعادة الروح إلى الميكروفون الدرامي.هؤلاء النجوم أكدوا أن الفنان الحقيقي لا يرتبط بوسيط واحد؛ فالموهبة قادرة على التألق أمام الكاميرا، وعلى خشبة المسرح، وكذلك خلف الميكروفون.والآن… نريد الاستمراروهنا أتوجه بدعوة صادقة إلى الهيئة الوطنية للإعلام بقيادة الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، وإلى الإعلامي مجدي لاشين، الأمين العام للهيئة، وإلى الإعلامي عبد الرحمن البسيوني، رئيس الإذاعة:لا تتوقفوا عند نجاح موسم واحد.لقد أثبتت التجربة أن الجمهور ما زال لديه استعداد للاستماع، وأن النجوم ما زالوا قادرين على تقديم الدراما الإذاعية، وأن المؤلفين والمخرجين لديهم الكثير من الأفكار.المطلوب الآن هو الانتقال من فكرة «الموسم» إلى «المشروع».مشروع درامي إذاعي مصري مستمر طوال العام، له خطة إنتاج واضحة، وميزانية مدروسة، ومساحات لاكتشاف المؤلفين والمخرجين والممثلين الشباب، مع الاستعانة بنجوم الصف الأول عندما تسمح طبيعة العمل.خطة عملية لدعم الدراما الإذاعيةولأن الدعوة إلى دعم الدراما الإذاعية يجب ألا تبقى مجرد أمنية، فإنني أقترح على الهيئة الوطنية للإعلام دراسة خطة عملية من سبع خطوات يمكن أن تحول النجاح الأخير إلى مشروع مستدام:أولًا: إطلاق «المشروع القومي للدراما الإذاعية المصرية»يكون مشروعًا سنويًا ثابتًا تتبناه الهيئة، وليس مرتبطًا بشهر رمضان فقط، بحيث يتم إنتاج مجموعة من المسلسلات والتمثيليات الإذاعية على مدار العام، مع تخصيص موسم أكبر خلال رمضان.ثانيًا: إنشاء صندوق أو بند إنتاج مستقل للدراما الإذاعيةتخصيص ميزانية واضحة ومعلنة للدراما الإذاعية، بما يضمن استقرار عملية الإنتاج ويتيح التخطيط المبكر بدلًا من التعامل مع كل موسم بصورة منفصلة.والميزة هنا أن الاستثمار في الدراما الإذاعية لا يحتاج إلى ميزانيات الدراما التلفزيونية، وبالتالي يمكن تحقيق مردود ثقافي وإعلامي كبير بتكلفة إنتاجية أقل نسبيًا.ثالثًا: مسابقة سنوية للكتاب الشبابفتح الباب أمام المؤلفين الشباب لتقديم نصوص أصلية للدراما الإذاعية، مع تشكيل لجنة متخصصة لاختيار أفضل النصوص، ومنح الفائزين فرصة حقيقية للإنتاج والبث.وهذه الخطوة مهمة لأن استمرار الدراما يحتاج إلى تجديد دماء الكتابة، وليس فقط إعادة إنتاج الأسماء نفسها.رابعًا: برنامج لاكتشاف المخرج والممثل الإذاعيتنظيم ورش تدريب واختبارات أداء للمخرجين والممثلين الشباب، بالتعاون مع أصحاب الخبرات من أبناء الإذاعة والفن المصري، بحيث تصبح الإذاعة مدرسة متجددة للمواهب.خامسًا: الاستفادة الذكية من نجوم الفندعوة كبار النجوم للمشاركة في أعمال إذاعية مختارة، إلى جانب تقديم فرص للأجيال الجديدة.وجود نجم كبير في عمل إذاعي لا يضيف قيمة فنية فقط، بل يساهم أيضًا في جذب جمهور جديد إلى الإذاعة.سادسًا: تحويل أرشيف الدراما الإذاعية إلى كنز رقميوهذه ربما تكون واحدة من أهم الخطوات.ينبغي العمل على رقمنة وترميم وفهرسة التراث الدرامي الإذاعي المصري، وإتاحته بصورة منظمة عبر المنصات الرقمية التابعة للهيئة، مع الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية.فهذا الأرشيف ليس مجرد تسجيلات قديمة؛ إنه جزء من الذاكرة الثقافية المصرية، ويمكن أن يتحول إلى محتوى رقمي دائم يعاد اكتشافه من الأجيال الجديدة.سابعًا: قياس الجمهور والعائدلا بد أن تنتقل الدراما الإذاعية من فكرة «ننتج ونبث» إلى منظومة أكثر احترافية تقوم على قياس الاستماع والتفاعل والوصول الرقمي، لمعرفة أي الأنواع والشخصيات والقضايا تحقق أكبر تأثير.فالنجاح لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد ساعات البث، وإنما بمدى وصول المحتوى وتأثيره وقدرته على الاستمرار.من رمضان إلى كل العاموأقترح كذلك ألا تظل الدراما الإذاعية رهينة الموسم الرمضاني.يمكن أن تقدم الإذاعة دراما يومية وأسبوعية، وسلاسل قصيرة، ودراما اجتماعية، وكوميديا، وأعمالًا تاريخية، وأدبًا إذاعيًا، ودراما للأطفال، إلى جانب الأعمال الوطنية والتوعوية.كما يمكن إنتاج أعمال قصيرة تتراوح مدتها بين عدة دقائق ونصف الساعة، بما يتناسب مع طبيعة الاستماع الحديثة.وبذلك يصبح لدينا «محتوى درامي إذاعي مصري مستمر» وليس مجرد مسلسلات رمضانية.حصان طروادة الحقيقيلقد كان حصان طروادة في الأسطورة وسيلة للعبور إلى مكان يصعب الوصول إليه.والدراما الإذاعية يمكن أن تكون حصان طروادة الإعلام المصري في الوصول إلى وجدان الملايين دون تكلفة إنتاجية ضخمة، ودون حواجز المكان، ودون الحاجة إلى شاشة.يمكنها أن تحمل القيم، والهوية، والثقافة، واللغة، والوعي، والحكاية المصرية إلى المستمع العربي.ويمكنها كذلك أن تكون بوابة لاكتشاف أجيال جديدة من الكتاب والمخرجين والممثلين.لكن علينا ألا نخطئ الهدف.الدراما الإذاعية ليست بديلًا عن الدراما التلفزيونية أو السينمائية، وإنما هي ذراع أخرى من أذرع القوة الناعمة المصرية.والإعلام القوي لا يضع كل رهاناته على وسيلة واحدة، وإنما يعرف كيف يستخدم كل وسيلة في المكان والوقت المناسبين.لقد أعطانا الموسم الرمضاني الأخير إشارة مهمة:الميكروفون لم يمت… والحكاية لم تنتهِ.وما نحتاجه الآن هو أن نمنح الدراما الإذاعية فرصة حقيقية لكي تعود إلى موقعها الطبيعي في مقدمة المشهد الإعلامي المصري.فمصر التي صنعت تاريخًا طويلًا في الدراما الإذاعية، قادرة على أن تصنع مستقبلًا جديدًا لها.فلنستثمر في الصوت… قبل أن يسبقنا الآخرون إلى صناعة الصورة في خيال الجمهور.خالد سالمإعلامي وكاتب ومخرج تلفزيوني
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس