كلنا اليوم سلفيون… كيف أصبح الماضي مشروعنا للمستقبل


كتبت : د. ليلى الهمامي
صارت عندنا موضة لطيفة جدا هذه الأيام، اسمها “تعالوا نعود إلى التاريخ”. كل محلل سياسي، وكل خبير استراتيجي، لا بد أن يفتح لنا كتاب التاريخ من الصفحة الأولى.
نظريا، الفكرة نبيلة. الأمم المحترمة تعود إلى التاريخ كي تبني المستقبل. تدرس، تحلل، تستنتج، وتقول: هذا درس نستفيد منه للغد.
أما نحن؟ نحن حالة خاصة جدا في علم الاجتماع السياسي.
نحن لا نعود إلى التاريخ لنبني المستقبل، نحن نعود إلى التاريخ لأننا هاربون من المستقبل! بل هاربون حتى من الحاضر!
لماذا؟ ببساطة لأن الحاضر لا يُشرّف. الحاضر عبارة عن خراب. فوضى عارمة. فشل على جميع الأصعدة. ولأننا لا نملك لا الجرأة ولا الأدوات لمواجهة هذا الخراب، ما الحل؟ الحل السحري: نفتح مقبرة التاريخ ونبدأ المعركة هناك!
نعم، نحن شاطرون جدا في تنظيم معارك وهمية بين أموات. هذا معاوية وهذا علي، هذا أشعري وهذا معتزلي. نتصارع مع أشباح، نتحارب مع جثث، فقط كي لا نضطر لمواجهة مشاكلنا الحقيقية: البطالة، الفقر، الدولة الفاشلة، الحوكمة، والشباب وخطورة الذكاء الاصطناعي، الشباب الذي يركب قوارب الموت.
وهذه هي الكارثة بعينها.
نحن لا نتقدم، نحن ننكص. نحن ننزلق بكل حماس نحو السلفية. وكلنا سلفيون اليوم، لا تقل لي حداثي ولا تقدمي. الكل يستنجد بالسلف الصالح ليغطي عجزه الحالي. نستدعي الماضي لأنه لا يحاسبنا، الماضي مسكين لا يرد.
فإذا كانت هذه هي نخبتنا، نخبة تهرب إلى الوراء، فماذا تنتظرون من الشباب؟ هل تريدون من شاب في العشرين أن يبقى في مجتمع مصاب بانفصام الشخصية؟
نحن مجتمعات مريضة بمرض الهوية. لا نعرف من نحن، نهرب من أنفسنا، نهرب من آنيتنا، ونذهب نبحث عن ذات بديلة في قاع التاريخ، نحاول إحياء ميت، ربما لأننا ببساطة، موتى نحن أيضا، لكننا لا نعترف.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

المركز العربي الأوروبي يكرّم الطبيب الأردني رجا العلمي تقديراً لعطائه المجتمعي والإنساني

علاء حمديفي خطوة تعكس اهتمامه بدعم الكفاءات العربية الشابة وتكريم النماذج المؤثرة في العمل الإنساني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *