بقلم: مصطفى محمد القرشي
ماذا يعني أن يعيش في السعودية ملايين البشر من جنسيات وثقافات متعددة، وأن ترتبط فرص عملهم ومستقبل أسرهم باستقرارها الاقتصادي والأمني؟ وماذا يعني أن تكون هذه الأرض، في الوقت نفسه، موطن الحرمين الشريفين، وقبلة المسلمين، ووجهة ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار؟
إنها معادلة تجمع بين قدسية المكان، وكرامة الإنسان، وقوة الاقتصاد، وتكشف أن أثر السعودية لا يتوقف عند حدودها الجغرافية، بل يمتد إلى حياة أسر ومجتمعات في دول عديدة.
فالسعودية ليست مجرد وجهة للعمل أو سوق للاستثمار، كما أنها ليست وجهة دينية فحسب؛ إنها أرض يلتقي فيها الإيمان بالاقتصاد، وتتقاطع فيها مصالح ملايين البشر مع مسؤولية وطنية وسيادية عظيمة، تتولاها المملكة العربية السعودية حصرًا، تتمثل في حماية الحرمين الشريفين وتأمين سلامة ضيوف الرحمن.
ملايين البشر.. وأثر يتجاوز الأرقام
وفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، بلغ عدد سكان السعودية نحو 36.97 مليون نسمة. وكانت الهيئة العامة للإحصاء قد قدّرت عدد المقيمين غير السعوديين بنحو 15.7 مليون نسمة في عام 2024، بما يعادل 44.4% من إجمالي السكان آنذاك.
ورغم اختلاف سنة القياس بين المؤشرين، فإنهما يوضحان حجم المجتمع الذي يعيش على أرض السعودية، واتساع حضور المقيمين في أنشطتها الاقتصادية والاجتماعية.
هنا يعمل المصري والسوداني واليمني والسوري والأردني واللبناني والمغربي، إلى جانب الباكستاني والبنغلاديشي والهندي والفلبيني، وغيرهم من أبناء جنسيات متعددة.
وراء هذه الجنسيات قصص إنسانية لا تختصرها الإحصاءات؛ موظفون وعمال، وأطباء ومهندسون، ومعلمون وفنيون، ومستثمرون ورواد أعمال، وأسر بنت حياتها حول فرص العمل والاستقرار.
وحين يحصل المقيم على أجره، فإن أثر هذا الدخل لا يتوقف عند احتياجاته المباشرة؛ فقد يمتد إلى أسرته ووالديه وأبنائه، وربما إلى تعليم أشقائه أو علاج أقاربه أو تأسيس مشروع في بلده الأصلي.
وهكذا يتحول الاستقرار السعودي إلى مصلحة إنسانية واقتصادية تتجاوز الحدود، وتستفيد منها أسر ومجتمعات في دول عربية وإسلامية وأجنبية عديدة.
فخلف ملايين المقيمين ملايين الحكايات، وخلف فرص العمل مصالح إنسانية واقتصادية لا تنفصل عن أمن السعودية واستقرارها.
أرض الحرمين الشريفين.. مكانة دينية ومسؤولية سيادية
قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:
﴿رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ [إبراهيم: 35].
تحتضن السعودية مكة المكرمة، حيث المسجد الحرام والكعبة المشرفة، قبلة المسلمين في صلواتهم، كما تحتضن المدينة المنورة، حيث المسجد النبوي الشريف، ودار هجرة رسول الله ﷺ.
وهذه المكانة تجعل الحرمين الشريفين حاضرين في وجدان المسلمين في أنحاء العالم، وتتعلق بهما قلوب المؤمنين، وتتجه إليهما أفئدة الحجاج والمعتمرين والزوار.
غير أن هذه المكانة الدينية المشتركة لا تعني اشتراك الدول أو الجهات الخارجية في مسؤولية أمن الحرمين الشريفين أو حمايتهما أو إدارتهما.
فمسؤولية أمن الحرمين الشريفين وحمايتهما وإدارتهما تقع على عاتق المملكة العربية السعودية حصرًا، بوصفها الدولة صاحبة السيادة والولاية على أراضيها ومقدساتها، من خلال قيادتها ومؤسساتها الأمنية والدفاعية والإدارية المختصة.
وتضطلع السعودية بهذه المسؤولية السيادية الحصرية، بما يشمل حماية مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتأمين سكانهما وضيوف الرحمن، والمحافظة على سلامة المرافق والخدمات والطرق والمطارات والمنشآت الحيوية المرتبطة بهما.
أما المسلمون في أنحاء العالم، فتجمعهم محبة الحرمين الشريفين وتعظيمهما والحرص على أمنهما، وهي مشاعر دينية وإنسانية لا تمنح أي دولة أو جهة خارجية اختصاصًا سياديًا أو أمنيًا في إدارتهما أو حمايتهما.
وهنا يتجلى الفارق بين مكانة الحرمين الشريفين في وجدان المسلمين جميعًا، ومسؤولية أمنهما وحمايتهما وإدارتهما، التي تختص بها السعودية حصرًا.
السعودية.. وجهة العمل والاستثمار
لم تعد فرص العمل والاستثمار في السعودية محصورة في الأنشطة التقليدية؛ فقد أسهمت مشروعات التحول الاقتصادي المرتبطة برؤية السعودية 2030 في توسيع مجالات الصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والترفيه والرعاية الصحية وغيرها من القطاعات.
وفي هذه السوق، تتلاقى الكفاءات السعودية مع الخبرات الدولية، وتتوسع فرص نقل المعرفة وتطوير المهارات وتأسيس المشروعات.
ويؤدي المقيمون أدوارًا متنوعة في النشاط الاقتصادي؛ فمنهم الطبيب والمهندس والمعلم والفني والباحث والمحاسب، ومنهم العامل في المصانع والموانئ والمرافق والخدمات، ومنهم المستثمر وصاحب المشروع والمدير التنفيذي.
لكن الأهمية الاقتصادية لاستقطاب الكفاءات لا تكمن في زيادة أعدادها وحدها، بل في قدرتها على دعم الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز نقل التقنية، وتوليد قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
ومن الضروري أن يتكامل ذلك مع تنمية الكفاءات السعودية وتوسيع مشاركتها في القطاعات الواعدة، بما يعزز فرص المواطنين ويرفع تنافسية المنشآت.
فالاقتصاد المستدام لا يُبنى بكثرة العاملين وحدها، وإنما بجودة العمل وكفاءة المؤسسات وارتفاع الإنتاجية وقدرة السوق على استقطاب الاستثمار وتوليد الفرص.
ومن هنا، فإن قوة الاقتصاد السعودي لا تنعكس على مواطنيه وحدهم، بل تمتد آثارها إلى ملايين المقيمين وأسرهم، وإلى شركاء اقتصاديين في أنحاء العالم.
حين يصبح الاستقرار مصلحة تتجاوز الحدود
عندما نتحدث عن أمن السعودية واستقرارها، فإننا نتحدث أولًا عن حق مواطنيها والمقيمين فيها في الحياة الآمنة، وعن حماية أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم.
لكن الأثر لا يتوقف عند هذا الحد.
فأي اضطراب أمني أو اقتصادي كبير يصيب دولة تستضيف ملايين المقيمين، وترتبط بشبكات واسعة من التجارة والنقل والاستثمار، قد ينعكس على وظائف وأعمال ومشروعات وسلاسل توريد وتحويلات مالية تعتمد عليها أسر خارج حدودها.
فالعامل الذي يرتبط دخله بوظيفة في السعودية، والأسرة التي تعتمد على تحويلاته، والمستثمر الذي يدير مشروعًا داخلها، والشركة التي تستورد من سوقها أو تصدّر إليها، جميعهم أصحاب مصالح مشروعة في استمرار الأمن والاستقرار.
ولهذا فإن استقرار السعودية ليس قضية سياسية يمكن اختزالها في خلافات عابرة، بل له أبعاد إنسانية واقتصادية وإقليمية واسعة.
ولا يعني ذلك مطالبة الدول أو الشعوب بتبني مواقف سياسية متطابقة، وإنما إدراك أن سلامة المدنيين وحماية المنشآت واستمرار النشاط الاقتصادي قيم مشتركة ينبغي الدفاع عنها بعيدًا عن التحريض أو الشماتة.
فالحروب لا تختار ضحاياها على أساس الجنسية، ولا تتوقف خسائرها عند حدود الدولة التي تدور فيها.
وحين تحمي السعودية أمنها واستقرارها، فإن آثار هذه الحماية تمتد إلى سلامة ملايين المقيمين والزوار، وإلى مصالح اقتصادية وإنسانية تتجاوز حدودها.
المقيمون.. شركاء في حكاية التنمية
على امتداد عقود، تشكلت علاقات إنسانية ومهنية وتجارية بين السعوديين والمقيمين، وأصبحت المدن السعودية موطنًا لذكريات وتجارب عائلات من جنسيات متعددة.
فمن المقيمين من قضى سنوات طويلة في العمل، ومنهم من نشأ أبناؤه في السعودية وتعلموا في مدارسها، ومنهم من أسس مشروعًا أو اكتسب خبرات عاد بها إلى وطنه.
وهذه الروابط لا تلغي خصوصية الهوية الوطنية السعودية، بل تُظهر أهمية وجود بيئة عمل منظمة تحترم الحقوق، وتعزز المسؤولية، وتتيح فرصًا عادلة في إطار الأنظمة.
كما أن تقدير إسهامات المقيمين لا يتعارض مع أولوية تنمية القدرات السعودية وتوطين الوظائف ورفع كفاءة الكفاءات الوطنية؛ فالتوازن بين استقطاب الخبرات وتنمية الموارد البشرية الوطنية يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وكلما كانت بيئة العمل أكثر كفاءة وإنصافًا، انعكس ذلك على جودة الخدمات، واستقرار المؤسسات، وجاذبية الاقتصاد للاستثمار والكفاءات.
وهذه معادلة لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل بأنظمة فاعلة وممارسات مسؤولة توازن بين مصالح الدولة والمواطنين والمقيمين وأصحاب الأعمال.
الحرمين الشريفان.. مسؤولية سعودية لا تقبل الالتباس
إن الحديث عن المكانة العالمية للحرمين الشريفين يجب ألا يقود إلى الخلط بين حق المسلمين في محبتهما وتعظيمهما، وبين الاختصاص السيادي للدولة السعودية في أمنهما وحمايتهما وإدارتهما.
فالسعودية، بقيادتها ومؤسساتها وقدراتها الوطنية، هي المسؤولة حصرًا عن أمن الحرمين الشريفين وحمايتهما وإدارتهما، وعن اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة للمحافظة على سلامة السكان والحجاج والمعتمرين والزوار، وفق سيادتها وأنظمتها.
ولا تتعارض هذه المسؤولية الحصرية مع محبة المسلمين للحرمين الشريفين وحرصهم على سلامتهما؛ بل إن التضامن الصادق يقتضي احترام سيادة السعودية واختصاص مؤسساتها، ورفض الاعتداءات والتهديدات التي تعرّض المدنيين والمقدسات للخطر.
فالمحبة الدينية شيء، والمسؤولية السيادية شيء آخر، ولا يجوز الخلط بينهما أو استخدام المكانة الدينية للحرمين الشريفين ذريعة للتدخل في شؤون السعودية أو الانتقاص من اختصاصها.
الحَرَمان الشريفان في وجدان المسلمين جميعًا، لكن أمنهما وحمايتهما وإدارتهما مسؤولية المملكة العربية السعودية حصرًا.
السعودية.. حين تلتقي قدسية المكان بقوة الاقتصاد
إن خصوصية السعودية تكمن في اجتماع أبعاد متعددة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر.
فهي تحتضن الحرمين الشريفين اللذين تتعلق بهما قلوب المسلمين، وتمتلك اقتصادًا مؤثرًا يستقطب رؤوس الأموال والخبرات والعمالة، وتضطلع بمسؤوليات واسعة في خدمة الحجاج والمعتمرين والزوار.
وبقدر ما تمنحها هذه المكانة فرصًا اقتصادية وإنسانية، فإنها تضع على عاتقها مسؤوليات متجددة في المحافظة على الأمن وتطوير الخدمات وتحسين جودة الحياة وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
إنها ليست مجرد أرقام سكانية أو مشروعات استثمارية، بل شبكة واسعة من المصالح والآمال والروابط الإنسانية.
فالسعودية وطنٌ لأبنائها، وموطنُ عملٍ وحياةٍ لملايين المقيمين، وأرضٌ يقصدها المسلمون من أنحاء العالم.
وحين ننظر إلى هذه الصورة كاملة، ندرك أن أمنها واستقرارها لا يقتصر أثرهما على شأن سياسي أو اقتصادي، بل يرتبطان بسلامة الإنسان، واستمرارية فرص العمل، وأمن ضيوف الرحمن، ومصالح مجتمعات عديدة.
وإذا كانت مكة المكرمة قبلة المسلمين، وكانت المدينة المنورة مدينة رسول الله ﷺ، فإن حماية المدينتين المقدستين وأمن الحرمين الشريفين وإدارتهما مسؤولية سيادية سعودية حصرًا، تتولاها الدولة السعودية بمؤسساتها وقدراتها الوطنية.
أما ملايين المقيمين والزوار، فتجمعهم مصالح إنسانية واقتصادية ودينية في استمرار هذا الأمن والاستقرار، مع احترام سيادة السعودية واختصاصها الكامل بشؤونها.
إنها السعودية.. حيث تلتقي قدسية المكان بكرامة الإنسان، وتلتقي فرص العمل والاستثمار بمسؤولية الأمن والاستقرار، لتبقى أرض الحرمين الشريفين ووجهة الملايين.
فأمن السعودية أمنٌ لمواطنيها والمقيمين فيها وضيوفها، واستقرارها مصلحة تتجاوز حدودها، أما أمن الحرمين الشريفين وحمايتهما وإدارتهما، فهي مسؤولية المملكة العربية السعودية حصرًا، لا تقبل الالتباس أو المزايدة.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس