أخبار عاجلة

«إلا الحرمين».. أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة امتحانٌ لوعي الأمة لا لعواطفها


بقلم: مصطفى محمد القرشي
حين أُسيء إلى مقام رسول الله ﷺ في عام 2020، خرجت حشود في عدد من البلدان الإسلامية، وامتلأت ميادين بالمتظاهرين، وارتفعت دعوات المقاطعة، وتصدّر شعار «إلا رسول الله» المشهد الشعبي والإعلامي. كانت تلك المشاهد تعبيرًا عن المكانة العظيمة للنبي الكريم صل الله عليه وآله وسلم في قلوب المسلمين، وعن غيرةٍ محمودةٍ على مقامه الشريف.
لكن اليوم، وتحديدًا في ختام أكتوبر 2026، وأمام التطورات الأمنية التي أعلنت خلالها الجهات السعودية المختصة اعتراض صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، يفرض الواقع سؤالًا يتجاوز حدود العاطفة إلى عمق الوعي:
إذا كان الغضب للإساءة إلى مقام النبوة قد استنهض كل ذلك الزخم، فلماذا لا نلمس حضورًا شعبيًا وإعلاميًا مماثلًا حين يتعلق الأمر بأمن مكة المكرمة والمدينة المنورة؟
إننا لا نُقاضي المشاعر، ولا نُقلّل من شأن الغضب للإساءة إلى رسول الله ﷺ؛ وإنما نطرح قضية اتساق المعايير وصناعة الأولويات، لنتأمل الأسباب التي تجعل قضية تتحول إلى موجة تضامن عابرة للحدود، بينما لا تحظى قضية أخرى، تمس أمن المنطقتين اللتين تحتضنان أقدس مدينتين لدى المسلمين، بالزخم الشعبي والإعلامي ذاته.
حين تتحدث الوقائع
في 24 أكتوبر 2026، أعلن الدفاع المدني السعودي التعامل مع شظايا ناتجة عن اعتراض صاروخين باليستيين، أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وأوضح البيان أن أجزاء من الصاروخين سقطت في وادي المغمّس بالعاصمة المقدسة.
وفي 30 أكتوبر، أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض وتدمير طائرتين مسيّرتين في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، أطلقتهما ميليشيا الحوثي الإرهابية.
فالخطر لا يبدأ عند أسوار المقدسات؛ إذ إن سلامة المدن وسكانها وزوارها جزء لا يتجزأ من أمنها واستقرارها.
من يصنع أولويات الرأي العام؟
لم تعد وسائل الإعلام والمنصات الرقمية مجرد قنوات لنقل الأحداث، بل أصبحت مؤثرًا رئيسًا في تشكيل اهتمامات الجمهور، وتحديد القضايا التي تتصدر النقاش العام.
وقد يحظى حدث بتغطية مكثفة وتفاعل واسع، بينما يتراجع الاهتمام بحدث آخر ينطوي على مخاطر جسيمة، بسبب اختلاف طبيعة التغطية أو ظروف التلقي أو الحسابات السياسية والاجتماعية المحيطة به.
وليس صحيحًا أن كل تفاوت في الاهتمام دليل على تعمد الإهمال، أو أن كل غياب للتظاهر يعني غياب التضامن. فالإساءة الرمزية إلى المقدسات قد تُقابل بالمظاهرات والمقاطعة، بينما يُعبَّر عن الموقف من التهديدات العسكرية عبر البيانات الدبلوماسية والإجراءات الأمنية والمواقف المؤسسية.
ومع ذلك، يبقى التساؤل مشروعًا:
هل تحظى القضايا المرتبطة بأمن المقدسات بالاهتمام الذي تستحقه، أم أن اتجاهات التغطية الإعلامية والتجاذبات السياسية تؤثر أحيانًا في ترتيب أولويات الجمهور؟
إن الإجابة لا تكون باتهام الشعوب أو التشكيك في محبتها، ولا بافتراض وجود جهات تتحكم في مشاعر المسلمين دون دليل، وإنما بدراسة كيفية تشكّل الرأي العام، ومدى حضور الوقائع الموثقة في الخطاب الإعلامي، وقدرة المؤسسات الإسلامية على التعبير عن مواقفها بصورة متوازنة ومستقلة.
فالوعي لا يقتصر على معرفة ما حدث، بل يمتد إلى فهم أسباب اهتمامنا بحدث أكثر من غيره.
مكة المكرمة والمدينة المنورة.. مكانة تتجاوز الجغرافيا
قال الله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام:
﴿رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا﴾ [إبراهيم: 35].
إن مكة المكرمة ليست مجرد مدينة على الخريطة؛ فهي قبلة المسلمين، وفيها البيت الحرام الذي تتعلق به قلوب المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها.
والمدينة المنورة هي دار الهجرة، ومدينة رسول الله ﷺ، وفيها مسجده الشريف، وتحمل في وجدان المسلمين مكانة دينية وتاريخية عظيمة.
ولهذا، فإن أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة وسلامة سكانهما وضيوفهما ليسا شأنًا عابرًا في الوعي الإسلامي، وإن كانت المسؤولية المباشرة عن حماية الأراضي والمنشآت والأرواح تقع على عاتق الدولة السعودية ومؤسساتها المختصة حصرًا.
وتضطلع السعودية بمسؤولياتها في حماية الحرمين الشريفين وخدمة الحجاج والمعتمرين والزوار، مستندة إلى مؤسساتها الأمنية والدفاعية وقدراتها الوطنية حصرًا.
لكن المكانة الدينية للمدينتين تتجاوز الحدود الوطنية؛ فكل مسلم يتجه إلى مكة المكرمة في صلاته، ويحمل للمدينة المنورة محبةً متصلةً بمحبة رسول الله ﷺ.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين المواقف السياسية التي قد يختلف حولها الناس، وبين المبدأ الإنساني والديني الثابت الذي يرفض تعريض المدنيين والمقدسات والزوار للخطر، أيًّا كان مصدره.
نحو موقف واعٍ.. لا غضب أعمى
ليس المطلوب من ملياري مسلم أن يخرجوا جميعًا إلى الشوارع، ولا أن ينخرطوا في الصراعات العسكرية، ولا أن يستبدلوا التفكير بالشعارات.
فمحبة رسول الله ﷺ والحرمين الشريفين لا تُقاس بعدد المظاهرات أو حجم التفاعل الرقمي، وإنما تتجلى كذلك في صدق المواقف، واحترام الحقائق، ورفض الاعتداءات، والحرص على سلامة الإنسان والمكان.
وإذا أردنا أن يتحول الاهتمام بأمن المقدسات إلى عمل مؤثر ومستدام، فإن أمام المؤسسات الإعلامية والإسلامية ثلاثة مسارات تستحق العناية.
أولًا: بناء الوعي الرقمي والتصدي للتضليل.
وذلك بنشر البيانات الموثقة بلغة واضحة، وإتاحتها بلغات متعددة، وتصحيح المعلومات المضللة، والتمييز بين الوقائع المؤكدة والادعاءات المتداولة؛ لأن المبالغة لا تخدم القضية العادلة، بل قد تمنح المشككين فرصة للطعن في مصداقيتها.
ثانيًا: تعزيز التضامن المؤسسي العابر للخلافات.
وذلك بتطوير التواصل والتنسيق بين المؤسسات الإسلامية والجهات المعنية، وتأكيد أن حماية المدنيين والمقدسات وسلامة ضيوف الرحمن مبادئ لا ينبغي إخضاعها للتجاذبات السياسية.
ولا يكفي إصدار البيانات وحدها، بل ينبغي أن يصاحبها عمل إعلامي وتوعوي منظم، يمكن متابعة أثره وقياس نتائجه.
ثالثًا: فصل أمن المقدسات عن الخلافات السياسية.
فمن حق الناس أن تختلف في قراءاتها للأحداث والسياسات، لكن هذا الاختلاف لا يبرر التساهل مع التهديدات التي تمس سلامة الأبرياء أو أمن المناطق التي يقصدها ملايين المسلمين.
إن أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة يستحق موقفًا يقوم على الحقيقة والإنصاف، بعيدًا عن المزايدات وتصفية الحسابات.
يا ملياري مسلم.. سؤال للضمير
بحسب تقديرات مركز بيو للأبحاث، بلغ عدد المسلمين في العالم نحو ملياري نسمة عام 2020. وهم أمة واسعة ومتنوعة، تختلف مجتمعاتها وظروفها السياسية ووسائل تعبيرها عن مواقفها.
ولذلك، فإن مخاطبة هذا العدد ليست اتهامًا جماعيًا بالتقصير، وإنما دعوة إلى مراجعة أولويات الاهتمام والتضامن.
في عام 2020، ارتفع شعار «إلا رسول الله»، وتحوّل إلى عنوان لحراك شعبي وإعلامي واسع في عدد من البلدان.
واليوم، حين تعلن السعودية اعتراض تهديدات جوية في منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، يحق لنا أن نتساءل عن مساحة حضور هذه الوقائع في الوعي الإسلامي، وعن حجم التفاعل معها، وعن دور المؤسسات الإعلامية والدينية في توضيح أبعادها.
فليس مطلوبًا أن تتشابه الاستجابات لكل الأحداث، ولكن المطلوب ألا تضيع القيم الثابتة وسط اختلاف الظروف والمواقف.
إن محبة رسول الله ﷺ لا تنفصل عن تعظيم ما عظّمه الله، والحرص على سلامة الإنسان، واحترام حرمة الأماكن المقدسة.
وإذا كانت الميادين قد اتسعت يومًا للتعبير عن محبة النبي ﷺ، فالأولى أن يتسع وعينا اليوم لإعطاء أمن مكة المكرمة والمدينة المنورة ما يستحقه من اهتمام وتضامن قائمين على الوقائع.
إن الدفاع عن حرمة المقدسات يبدأ بالصدق، ويستقيم بالعدل، ويكتمل بموقف واعٍ لا تحكمه الشائعات ولا المصالح العابرة.
فيا ملياري مسلم.. ليس السؤال كم منكم سيغضب، بل كيف نجعل من محبتنا للمقدسات وعيًا ثابتًا، ومن تضامننا موقفًا منصفًا، ومن اهتمامنا بأمنها مسؤولية لا تتغير بتغيّر الأحداث؟
إن مكة المكرمة والمدينة المنورة ليستا مجرد عنوانين في نشرات الأخبار؛ إنهما في قلب عقيدة الأمة ووجدانها، وأمنهما يستحق اهتمامًا يليق بمكانتهما.
فالمقدسات لا تحتاج إلى غضب موسمي، بل إلى وعي دائم، والحق لا تقوى حجته بالصوت الأعلى، وإنما بالحقيقة والموقف العادل.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

«طالع نازل».. حين يصبح رد الحق اغتيالًا للإنسانية

بقلم الدكتورة غادة محفوظخبيرة التنمية الاجتماعية وتطوير العشوائيات وقضايا الوعي المجتمعييفتح مسلسل «طالع نازل» من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *