أخبار عاجلة

«طالع نازل».. حين يصبح رد الحق اغتيالًا للإنسانية


بقلم الدكتورة غادة محفوظ
خبيرة التنمية الاجتماعية وتطوير العشوائيات وقضايا الوعي المجتمعي
يفتح مسلسل «طالع نازل» من خلال شخصية نورا ومسارها نحو الانتقام مساحة للتأمل في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في النفس البشرية: كيف يتعامل الإنسان مع الظلم حين يشعر أن حقه قد ضاع، وأن الألم الذي عاشه لم يجد من ينصفه؟ وكيف يمكن للرغبة في استرداد الكرامة أن تتحول، مع تصاعد الغضب، إلى رغبة في إيذاء الآخر؟
لا تتوقف أهمية الحكاية الدرامية عند مصير شخصياتها أو الصراعات التي تخوضها، بل تمتد إلى الأسئلة التي تثيرها حول سلوكنا وعلاقاتنا. فشخصية نورا تضعنا أمام مفارقة إنسانية تستحق التأمل: قد يبدأ الإنسان رحلته بحثًا عن حقه، لكنه في طريق الانتقام قد يفقد القدرة على التمييز بين العدالة ورد الأذى، فيتحول من متألم يبحث عن الإنصاف إلى طرف يساهم في صناعة معاناة جديدة.
ومن هنا، تتجاوز حكاية «طالع نازل» حدود الشاشة لتطرح سؤالًا يمس حياتنا جميعًا: هل يكفي أن نكون قد تعرضنا للظلم حتى تصبح كل ردود أفعالنا مبررة؟ أم أن التحدي الحقيقي هو أن نسترد حقوقنا دون أن نفقد إنسانيتنا في الطريق؟
حين يصبح الألم مبررًا للانتقام
تجسد شخصية نورا نموذجًا لإنسان يرى نفسه صاحب حق، ثم يجد في معاناته مبررًا لتجاوز الحدود. وتتكرر هذه الفكرة في علاقاتنا حين يبرر شخص إهانة زميله لأنه سبق أن تعرض للإهانة، أو يلجأ أحدهم إلى الانتقام بدلًا من مواجهة الخلاف وحله.
ويساعد مفهوم «الانفصال الأخلاقي»، الذي طرحه عالم النفس ألبرت باندورا، على فهم كيفية تبرير الإنسان سلوكه المؤذي، بإلقاء اللوم على الطرف الآخر أو اعتبار الاعتداء ردًا مستحقًا. وهنا تكمن الخطورة؛ حين تصبح عبارة «أنا لم أفعل سوى ما فعله بي» مبررًا لتجاوز القيم والقانون.
إن التعاطف مع المظلوم لا يعني الموافقة على كل تصرفاته، كما أن رفض الانتقام لا يعني إنكار حقه في الإنصاف. فهناك فارق جوهري بين استرداد الحق والسعي إلى إيلام الآخر، حتى لو كان قد تسبب لنا في الألم.
العدالة مسؤولية تتجاوز الفرد
لا يمكن اختزال السلوك الإنساني في قدرة الفرد على التحكم في غضبه، بمعزل عن الظروف الاجتماعية المحيطة به. فالشعور بأن الصوت لا يُسمع، أو أن الشكوى لا تجد طريقها إلى الحل، قد يعمّق الإحباط ويضعف الثقة في العدالة.
لذلك، تقع مسؤولية مشتركة على المؤسسات في توفير آليات فعالة للإنصاف، وعلى الأسرة وأماكن العمل في احترام الكرامة ومعالجة الخلافات دون إذلال أو عنف، وعلى المجتمع في رفض ثقافة الانتقام وتطبيع الإساءة.
فالعدالة ليست مفهومًا نظريًا، بل تجربة يومية تتشكل من طريقة معاملة الإنسان في بيته وعمله ومحيطه الاجتماعي. وكلما شعر بأن حقوقه مصونة وأن كرامته محترمة، ازدادت فرص حل النزاعات بوسائل تحفظ الحقوق والعلاقات الإنسانية معًا.
استرداد الكرامة دون صناعة ضحية جديدة
قد يعتقد الإنسان أن الانتقام يعيد إليه اعتباره، لكنه قد يدخله في دائرة متواصلة من الأذى، تبدأ بإساءة وتنتهي بصراع يتجاوز الواقعة الأصلية. ونرى ذلك في الخلافات الأسرية، والنزاعات المهنية، والتفاعلات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حين تتحول الرغبة في الرد إلى تشهير أو تهديد أو إهانة.
إن استرداد الكرامة لا يتطلب كسر كرامة الآخرين، بل يتطلب القدرة على وضع حدود للأذى، والمطالبة بالحقوق، واللجوء إلى الوسائل العادلة لحل النزاعات.
ونحتاج اجتماعيًا إلى ثقافة تعلّم إدارة الغضب والحوار واحترام الاختلاف، وإلى إعلام ودراما يقدمان الشخصيات في تعقيدها الإنساني، دون تصوير الانتقام باعتباره بطولة أو حلًا للخلافات.
«طالع نازل».. من الحكاية إلى سؤال الإنسانية
القيمة الأهم في قراءة شخصية نورا ليست إصدار حكم سريع عليها، بل فهم السؤال الذي تطرحه تجربتها: كيف نحمي الإنسان من أن يتحول ألمه إلى مصدر لألم جديد؟
إن المجتمع العادل لا يطالب الإنسان بالصمت أمام الظلم، ولا يتركه وحيدًا في مواجهة معاناته، بل يفتح أمامه أبواب الإنصاف، ويحفظ كرامته، ويضمن خضوع الجميع للقانون. وفي المقابل، يظل الإنسان مسؤولًا عن اختياراته، مهما كانت قسوة التجارب التي مر بها.
وهنا تتركنا شخصية نورا أمام سؤال يتجاوز الدراما ويمس جوهر العلاقات الإنسانية: كم مرة ندفع ثمن الظلم مرتين؛ مرة حين نتعرض له، ومرة حين نسمح له بأن يسلبنا إنسانيتنا؟
فالحق لا يتحول إلى عدل بمجرد أننا نطالب به، والكرامة لا تُسترد بإهانة إنسان آخر. والانتصار الحقيقي أن نواجه الظلم ونسترد حقوقنا، دون أن نسمح للألم بأن يحولنا إلى نسخة أخرى ممن آذونا.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

العصر الرقمي .. وضرورة إعادة تشكيل الإنسان

بقلم الكاتب: طراد علي سرحان الرويسحرر بتاريخ: ٢٤ / ١٠ / ٢٠٢٦محين نتأمل في تفاصيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *