كتبت : د. ليلى الهمامي
أرصد باهتمام ما يُكتب ويُتداول حول الحراك الاجتماعي الشبابي في أوروبا. إنه حراك ينتشر كانتشار النار في الهشيم، انطلق من فرنسا ليمتد إلى إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وسويسرا وألمانيا، وكل المؤشرات تفيد بأن هذه الديناميكية الاحتجاجية مرشحة للاستمرار والتوسع لتشمل مجمل الفضاء الأوروبي.
غير أن ما استفزّني معرفيا ومنهجيا، هو ذلك الميل الساذج لدى بعض الأقلام إلى عقد مماثلة آلية بين ما سُمّي “الربيع العربي” و”ربيع أوروبي” مزعوم. وهنا نحن إزاء خلط مفاهيمي فادح وارتباك في منطق التحليل لا يمكن القبول به.
فمنهجيا، لا يمكن مقاربة الظاهرتين بنفس الأدوات. فما اصطُلح على تسميته “الربيع العربي” لم يكن انتفاضة عفوية معزولة عن السياق الجيو-استراتيجي، بل كان حلقة في مسار هندسة جيوسياسية أمريكية انطلق التخطيط لها منذ 11 سبتمبر 2001. لم تكن الغاية ديمقراطية الشعوب ولا تحريرها، بل إعادة إنتاج الهيمنة وتجديد آليات السيطرة على المجال العربي. لقد كانت وصفة جاهزة طُبخت في مخابر القرار الأمريكي بتواطؤ مع مراكز أوروبية تابعة، ثم فُرضت كأداة لإعادة تأديب بعض الأنظمة التي تجرأت على مناكفة المركز الاستعماري في الشمال.
أما الأزمة الأوروبية الراهنة، فهي من طبيعة مغايرة تماما. إنها ليست أزمة حكم ظرفية، بل أزمة بنيوية مركبة ومتكررة، تتجلى بأوضح صورها في فرنسا وألمانيا. جوهرها ليس في تجديد الطبقة السياسية، بل في اختناق نموذج التراكم نفسه: نموذج إنتاج الثروة وتوزيعها.
ففرنسا، وهي النموذج الأكثر دلالة، هي الأكثر مديونية في أوروبا والأكثر إنفاقا على منظومة الحماية الاجتماعية. لقد تحوّلت الدولة الاجتماعية الحمائية، التي كانت عامل استقرار، إلى عبء بنيوي معطّل لدورة رأس المال. يضاف إلى ذلك عامل حاسم وهو الانحسار التاريخي لمجالات نفوذها، خاصة في إفريقيا.
وهنا يكمن القانون البنيوي: عندما يفقد المتروبول الاستعماري مجاله الحيوي، أي مناطق نفوذه ومصادر نهبه في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، فإنه يفقد شروط تمويل توازنه الداخلي. وبالتالي، فإن هذه الأزمة لن تفضي إلى انفراج ديمقراطي كما يتوهم البعض، بل ستفتح الباب أمام الحل الكلاسيكي للرأسمالية المتأزمة: تصدير الأزمة عبر الحرب.
فالقاعدة التاريخية تقول: كلما اختنقت الرأسمالية في الداخل، التجأت إلى الحرب في الخارج. ونحن مقبلون، أكثر من أي وقت مضى، على دورة جديدة من الحروب بالوكالة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.
إن الصراع الراهن بين القوى العظمى ليس صراعا أيديولوجيا، بل صراع حول السيطرة على موارد الطاقة، والمعادن الاستراتيجية في باطن الأرض، وعلى الأسواق والممرات. وهو صراع سيتخذ أشكالا أكثر عنفا ووحشية.
وهذا ما بدأ يتجسد فعليا في الحرب الروسية – الأوكرانية وتداعياتها، وفي الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وفي احتدام الصراع حول مضيق هرمز وباب المندب. وستتكاثر بؤر التوتر في إفريقيا بعناوين مضللة: مرة باسم مكافحة الإرهاب كما في نيجيريا، ومرة باسم الحفاظ على وحدة الدولة كما في ليبيا وبلدان الساحل.
والخلاصة أن ما يجري ليس مجرد اضطراب عابر، بل هو مخاض نظام دولي جديد يُبنى على ثروات باطن الأرض، وعلى المواد الثمينة الداخلة في الصناعات النووية والعسكرية. الأمر لا يتعلق بالتفكير النظري فحسب، بل بضرورة استراتيجية: أن نستوعب ما يجري وأن نستعد لما هو قادم إلينا لا محالة، شئنا أم أبينا.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس