أخبار عاجلة

يوسف عبداللطيف يكتب: نيروز المحروسة.. حين يبكي الفلاح في عيد الشهداء

على مقهى في الميدان، جلس صديقي القبطي “مينا” يقلب في هاتفه بأسى، وبجواره عم “بهنسي” الفلاح الفصيح يرتشف شاي الخمسينة العكر. نظر مينا إلى النتيجة المعلقة وقال: “كل سنة وأنت طيب يا عم بهنسي، النهاردة 1 توت، رأس السنة القبطية وعيد النيروز”.التفت إليه بهنسي وعيناه على فواتير سماد اليوريا التي تخطت 1000 جنيه للشيكارة في السوق السوداء، وقال بتهكم: “نيروز مين يا ابني؟ أنا ما أعرفش غير نيروز المحطة اللي بتبيع لنا التقاوي المغشوشة! وبعدين إحنا لسه مخلصين عيد الفلاح أول إمبارح (9 سبتمبر) وما شفناش لحمة، جايين نعيد تاني النهاردة؟”قلت في نفسي: يا رب يكون القائمون على التخطيط الاقتصادي فاهمين العلاقة بين طين الأرض وتاريخ البلد، زي ما “توت” فاهم في فيضان النيل!■أصل الحكاية أعمق من مجرد احتفال؛ فكلمة “نيروز” جاءت من اللفظ المصري القديم “ني-يارؤو” أي عيد الأنهار أو الفيضان، وحرفها الفرس لاحقا إلى “نوروز” (اليوم الجديد). ومع دخول عصر الإمبراطور الروماني “ديوقليديانوس” عام 284 ميلادية، والذي استشهد في عهده مئات الآلاف من الأقباط، اتخذت الكنيسة المصرية من هذا التاريخ بداية ل “تقويم الشهداء” تخليدا لدمائهم التي روت الأرض.والمفارقة التاريخية الدستورية هنا واضحة؛ فالأرض التي رويت بدماء الشهداء قديما وعرق الفلاحين حديثا، تفرض المادة 29 من الدستور حمايتها وتنمية الريف؛ لكن الواقع في سبتمبر 2026 يقول إن الفلاح أصبح يضحي بمدخراته وقوته ليسدد ديون القروض الزراعية التي أثقلت كاهله نتيجة السياسات التمويلية الحالية.■يقولون في البيانات الرسمية المنمقة: “نحتفل بعيد النيروز وعيد الفلاح كرموز للهوية والوحدة الوطنية والإنتاج”.والمتأمل في المشهد يرى أن آليات التطبيق تحولت إلى أرقام دفتيرية؛ فنفس الطمي القديم أصبح يقاس ب “كارت الفلاح الذكي” الذي يواجه السيستم الخاص به في الجمعية مشكلات تقنية متكررة تؤخر صرف الحصص المخصصة للمزارعين.■البيانات الرسمية تتحدث عن قفزة الصادرات الزراعية المصرية التي تجاوزت 7 ملايين طن هذا العام، معتبرة ذلك مؤشرا للتعافي الاقتصادي؛ لكن التحليل الرقمي يكشف عن خلل في التوازن؛ فبينما تباع الخضراوات والفاكهة للخارج لتوفير الحصيلة الدولارية، يواجه السوق المحلي قفزات تضخمية في أسعار السلع الأساسية وصلت إلى 40%. هذا الخلل ليس نتاج قرارات محلية منفردة، بل يعود لجذور معقدة مرتبطة ب المشهد الاقتصادي العالمي؛ بدءا من اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي الذي يمثل المادة الخام لصناعة الأسمدة النيتروجينية، وصولا إلى الصراعات الجيوسياسية التي رفعت تكلفة الشحن البحري، مما جعل التصدير يضغط على المستهلك المحلي بدلا من أن ينعكس عليه بالوفرة.■المواطن البسيط في المدينة يسمع عن “عيد النيروز” فيتذكر بلح أمهات الأحمر والبلح الأصفر، ليرمز باللون الأحمر لدم الشهداء وبالأصفر لقلوبهم النقية؛ لكنه حين ينزل إلى السوق ليشتري كيلو البلح ويجده قد تخطى حاجز الأرقام الفلكية نتيجة تضخم تكاليف النقل والري، يشعر بصداع التضخم المزمن، ليتأكد أن “البلح” الوحيد المتاح مجانا هو الوعود بالرخاء القادم.■وعند دراسة الأسباب البنيوية للمشهد، نجد أن الأمن الغذائي يواجه تحديات هيكلية حادة تتجاوز الإدارة اليومية؛ أبرزها معضلة ندرة المياه التي فرضت تراجع مساحات المحاصيل التكتيكية كالأرز، وأزمة تفتيت الحيازات الزراعية المزمنة التي جعلت 80% من الأراضي مقسمة إلى مساحات قزمية تقل عن فدان، مما يرفع تكلفة الإنتاج بنسبة 35% ويعوق استخدام التكنولوجيا. هذه الأزمات المتوارثة تواجهها الأجهزة التنفيذية بآليات تقليدية مثل فرض الغرامات على المخالفين لخطط الري، بدلا من تقديم بدائل تدمج الحلول البيئية والاقتصادية معا.■والحديث عن غياب الحلول التمويلية لإنقاذ الريف في ظل الأزمة الاقتصادية الكلية للدولة هو محض تكاسل؛ فالآليات المالية المستدامة واضحة ولا تعتمد على خزينة الدولة المنهكة:أولا: تفعيل “الزراعة التعاقدية” عبر إنشاء بورصة سلعية زراعية تضمن عقودا مستقبلية بهامش ربح مجز للمزارع يمولها القطاع الخاص والمصانع الغذائية مباشرة قبل بذر البذور.ثانيا: إصدار “سندات زراعية خضراء” في السوق المصرفي لتمويل تحول فروع بنك التنمية والائتمان الزراعي إلى منصات تمنح قروضا صفرية الفائدة لمشروعات الري الحديث، بحيث تسدد أقساطها من فروق توفير المياه وزيادة إنتاجية الفدان بنسبة ال 35% الضائعة، بدلا من دور البنك الحالي كمحصل ديون تقليدي.ثالثا: تشجيع الاندماجات التعاونية بقوانين تمنح إعفاءات ضريبية للشركات المساهمة التي يؤسسها صغار الفلاحين للتغلب على أزمة تفتت الحيازات.■عم بهنسي، وهو يقف ليلحق بميكروباص قريته مع غياب الشمس، التفت إلى مينا وقال عفويا:”يا أستاذ مينا.. الشهداء بتوع زمان ماتوا عشان يدافعوا عن الإيمان، وإحنا بنموت كل يوم عشان نطلع ثمن شيكارة الكيماوي.. الأمانة واحدة، بس السكين اختلف!”■مع دقات الساعة الأولى من عام 1743 للشهداء، تظل الحقيقة معلقة فوق غيطان المحروسة:التاريخ لا يقاس بالسنوات، بل بقيمة الأمانة التي تتركها الأجيال خلفها؛ فالأجداد الذين ضبطوا ساعاتهم على حركة الشمس وفوران النيل لم يصنعوا التقويم ليكون مجرد زينة على الحوائط أو سطورا في خطابات الاحتفال، بل تركوه دليلا على أن بقاء هذا الوطن مرهون ببقاء من يزرع طينه. وحين يتوقف الفلاح عن صراعه اليومي مع الأرض، لن نفقد مجرد تقويم زراعي قديم، بل سنفقد المجرى الحقيقي الذي تدفقت فيه دماء الهوية المصرية منذ فجر التاريخ.

الغردقه - شارع الشيراتون القديم بجوار فندق روما علي البحر - تليفون  0653447115  موبايل  - 01020238453

عن 1

شاهد أيضاً

“نجلاء حسن”: التراث ذاكرة الأمة وجسر يربط الماضي بالحاضر والمستقبل

كتبت:هايدي فلفل افتتحت الشاعرة والأديبة الدكتورة نجلاء حسن فعاليات النشاط الثقافي الصباحي اليوم الاثنين فى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *