بقلم: ناصر السلاموني
كنت قد كتبت في هذا الأمر منذ أربعة أعوام، واليوم أعود إليه بسؤال أكثر إلحاحًا: هل حقاً بلاد العرب أوطاني؟!
كلنا نردد: «بلاد العرب أوطاني، وكل العرب إخواني»؛ كلمات تربينا عليها وتغنينا بها، لكن حين ننتقل من الشعارات إلى الواقع الملموس يصدمنا سؤالً مؤلمً: هل أصبحت بلاد العرب فعلًا أوطاننا، أم أن الحدود التي رسمها الاحتلال ما زالت أقوى من روابط الأخوة؟
لم تكن اتفاقية سايكس–بيكو مجرد خطوط على الخريطة؛ فقد جاءت في سياق مشروع لتقسيم المشرق العربي إلى مناطق نفوذ، وتحولت الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية، مع مرور الزمن، إلى حدود سياسية بين دول عربية مستقلة. ومع استقلال هذه الدول أصبحت لكل دولة سيادتها وقوانينها، وهذا أمر يجب احترامه، لكن المؤلم أن تتحول الحدود من وسيلة لتنظيم العلاقة بين الدول إلى حواجز تعيق التواصل بين الشعوب.
ترك لنا الاحتلال حدودًا رسمها لمصالحه، ثم تركنا حراسًا عليها؛ نحرسها ونضع القيود أمام أبناء الوطن الواحد، بينما يجد القادم من خارج الوطن العربي في كثير من الأحيان إجراءات أكثر سهولة للدخول.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح؛ فقد استطاعت الدول الأوروبية، التي عانت هي الأخرى من الحروب والانقسامات، أن تبني منظومة تعاون أزالت كثيرًا من الحواجز أمام مواطنيها. فأصبح المواطن الأوروبي يتحرك بين دول عديدة بسهولة، بينما قد يحتاج المواطن العربي إلى تأشيرة وإجراءات ورسوم لكي يزور بلدًا عربيًا شقيقًا. وفي المقابل، يستطيع الأوروبي في عدد من الدول العربية الدخول دون تأشيرة مسبقة أو الحصول عليها عند الوصول وبإجراءات ميسرة.
فلماذا نستطيع أن نفتح أبوابنا للقادم من الخارج، بينما نعجز عن تسهيل حركة المواطن العربي داخل وطنه الكبير؟
نعم، أيها العربي، أنت أخي؛ فعندما نلتقي تذوب الفوارق، ونشعر بألفة ومحبة لا تحتاج إلى تأشيرة ولا إلى ختم على جواز سفر. إنها أخوة اللغة والتاريخ والثقافة والحضارة والمصير.
لكن هل انعكس ذلك على الواقع؟
أين السوق العربية المشتركة، وحرية الانتقال، وتسهيلات الاستثمار والتعليم والعلاج والعمل، والمشروعات العربية الكبرى؟ وأين التعاون العربي القادر على حماية مصالح شعوبنا ومواجهة الأزمات التي أنهكت دولًا عربية عديدة؟
لقد خرج الاحتلال من معظم بلادنا، لكنه ترك وراءه آثارًا سياسية واقتصادية وحدودًا وصراعات ومصالح متشابكة. والأسوأ أن بعض هذه الآثار تحولت مع الزمن إلى واقع نتعامل معه وكأنه قدر لا يمكن تغييره، حتى أصبحنا أحيانًا أكثر حرصًا على حماية الحواجز بيننا من حرصنا على بناء جسور التعاون.
انظروا إلى أوروبا؛ لم تلغِ دولها حدودها وسيادتها وهوياتها، لكنها أدركت أن الحدود السياسية لا يجب أن تمنع المصالح المشتركة، فبدأت بالتدرج: اتفاقيات، ثم تسهيلات، ثم حرية حركة أوسع، حتى أصبحت التجربة الأوروبية نموذجًا للتعاون بين الدول.
وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نستفيد منه عربيًا، لا أن نقلده حرفيًا.
لسنا مطالبين بإلغاء الحدود العربية، ولا بإلغاء سيادة الدول، وإنما بإعادة النظر في القيود التي يمكن تخفيفها دون المساس بأمن الدول أو مصالحها.
ولنبدأ بما هو ممكن وواقعي: أن تتفق مجموعة من الدول العربية على تأشيرة عربية مبسطة أو إلكترونية موحدة، برسوم منخفضة وإجراءات واضحة، ثم تتوسع الاتفاقية تدريجيًا. وأن تُمنح تسهيلات خاصة للطلاب والمرضى وأصحاب الأعمال والمستثمرين والباحثين والإعلاميين، مع وضع قواعد أمنية واضحة تمنع إساءة استخدام هذه التسهيلات.
ويمكن كذلك العمل على الاعتراف المتبادل بالشهادات، وتسهيل انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات العربية، وتبسيط إجراءات تسجيل الشركات، وإنشاء مسارات عربية مشتركة للتعليم والعلاج والسياحة والعمل.
هذه ليست أحلامًا مستحيلة، وإنما خطوات يمكن تنفيذها تدريجيًا إذا توافرت الإرادة السياسية.
وفي هذا السياق، تبقى مصر نموذجًا مضيئًا في احتضان أشقائها العرب؛ فقد وجد فيها العراقي والسوري واليمني والليبي وغيرهم الأمن والأمان، وعاشوا بين المصريين وشاركوا في مختلف مجالات الحياة.
لقد آن الأوان أن ننتقل من عروبة الشعارات إلى عروبة المصالح والعمل. فالوطن العربي لن يصبح أقوى بمجرد ترديد «بلاد العرب أوطاني»، وإنما عندما يشعر العربي أن أخاه العربي أقرب إليه، وأن التعاون معه أسهل من التعامل مع من هم خارج وطنه.
لا نريد أن تبقى الحدود التي رسمتها القوى الاستعمارية قبل أكثر من قرن حواجز نفسية وسياسية واقتصادية تفصل أبناء الأمة العربية. نحترم سيادة كل دولة وحدودها، لكننا نطالب بأن تكون الحدود لتنظيم العلاقة بين الدول، لا لمنع التواصل بين الشعوب.
فلنبدأ من نقطة عملية: اتفاق عربي لتسهيل حركة المواطنين، ثم نوسع التعاون خطوة بعد خطوة، حتى تتحول الأخوة العربية من شعار إلى مصالح مشتركة، ومن مشاعر في القلوب إلى واقع في حياة الناس.
فإذا كانت أوروبا قد استطاعت أن تجعل من التعاون وسيلة لتجاوز آثار صراعاتها القديمة، فلماذا لا نستطيع نحن أن نبدأ الطريق نفسه بما يناسب ظروفنا وخصوصيتنا؟
لقد آن الأوان أن نكون حراسًا لأمن أوطاننا ومصالح شعوبنا، لا حراسًا للتجزئة. فكل العرب إخواني، وشرف لي أخوتهم، وستظل بلاد العرب أوطاني… إذا امتلكنا إرادة أن نجعلها كذلك بالفعل.
هايدي نيوز Heidi News أخبار عامه تهم كل الناس